مسرحمقالات وآراء

(راهب الضوء) فضيل حدهوم دهشته بالضوء قادته للتصوير الفوتوغرافي المسرحي

عباس الحايك – سماورد

صديق المسرحيين ورفيقهم، قناص اللحظات الجميلة في عالم المسرح، والذي تجاوز عمل المصور الصحفي الذي يعمل لصحيفة طلب منه التقاط صورة لعرض مسرحي بشكل آلي، بل وصل لأن يكون مثقفاً مسرحياً واعياً لكل تفاصيل العرض المسرحي واشتغالاته.

المصور المسرحي فضيل حدهوم

 

فضيل حدهوم المصور الفوتوغرافي الجزائري، الذي اختار أن يتخصص في تصوير العروض المسرحية التي كانت تعرض على الخشبات المسرحية الجزائرية، مدفوعاً بشغفه وحبه للمسرح، الذي أضاف له علاقات واهتمام بل محبة كل المسرحيين. يقول فضيل ذات لقاء عن اختياره للمسرح “جاء من حبي لهذا العالم الآسر، المليء بالأضواء التي تنعكس في جمالية مطلقة على الديكور والممثلين”، وعن بداياته يقول: “كان شقيقي الأكبر يصحبني معه كلما ذهب لمشاهدة عرض مسرحي، وكان الطفل بداخلي يتطلع إلى التعرف على سر الضوء الذي يلقي بنفسه على الممثل والديكور والفضاء المسرحي في توليفة مدهشة، وبقيت دومًا أتساءل من أين يأتي هذا الضوء؟ وكيف ترتسم التعابير على الوجوه والأجساد؟ فقد أخذتني لغة الجسد في عناقها للغة الضوء، إلى عالم موغل في الخيال، جعلني أطرح الأسئلة عن الغاية من طرح موضوع ما بشكلٍ ما فوق خشبة المسرح”، وهذا ما جعله يوغل أكثر في دراسة المسرح ومدارسه، ليتعرف أكثر على الرؤى الإخراجية والمدارس المسرحية المتباينة. يقول: ” يهمني أن أشعر بالموضوع الذي أصوره وأن أقدم لقطة تعكس جوهر الفكرة في العرض، لذلك أحرص على أن أكون مقتربا من أنفاس العمل المسرحي، وأن أفهم جوهر المسرح وأن أتعرف إلى المدارس المسرحية والرؤى الإخراجية المختلفة لأقتنص صورة تملك روحا، وإلا فإن العمل الذي سأقدمه لن يكون أكثر من التقاط آلي أوتوماتيكي لأي مشهد أمامي”.

لقبه الشاعر والروائي الجزائري عبد الرزاق بوكبة بـ (راهب الضوء)، فهو المتنسك في محراب الضوء، الماسك بالصورة كعابد عاشق، من بين أصابعه ينبت الجمال. يقول بوكبة عنه “لا يلتقط “راهب الضوء” الصورة المسرحية لأرشفتها فقط، بل ليعيد إخراجها/إبداعها بمنطق الضوء في تدفقه وانكماشه أيضًا، إنه لا يضغط على الزر إلا حين تكون اللحظة الإنسانية في ذروة الفرح أو الغضب أو الحيرة أو الشك أو الخوف” ويرى أنه شاعر وسارد خارج اللغة، فلغته الضوء وقلمه كاميرا يحملها اينما كان، متلازمان كتلازم الكاتب مع الحروف والكلمات.

كثيراً ما ينزعج المسرحيون من المصورين الصحفيين الذين أقصى ما يهتمون به اقتناص صورة تصلح لصفحة جريدة، فيستخدمون الفلاشات ويسمع الجمهور صوت غالق كاميراتهم، بشكل يزعج أحياناً، فالفلاشات تفسد الصورة المسرحية، وتخرب لحظة الدهشة التي تخلقها سينوغرافيا المسرحية، لكن فضيل تجاوزهم فوعيه بالمسرح جعله يعي تماماً ماهية المسرح وماهية الدهشة التي يخلقها، وكيف يمكنه أن يستحضرها في صورة. ففضاء الخشبة يشبه أستوديو تصوير جاهز، فلا تكلفه الصورة فوق الخشبة مشقة البحث عن الاضاءة والديكور والإضافات المختلفة لإعطاء الصورة موضوعا قويا، إنه أستوديو جاهز، تنعكس الإضاءة فيه على السينوغرافيا لتشكل معها ومع موضوع الصورة لقطة ناجحة، هذه الظروف الجمالية تساعده على التقاط الصور الجميلة التي تبقى لسنوات. لم يكن فضيل يعرف عن السينوغرافيا إلا بعد سنوات من تردده على المسرح لمتابعة العروض رفقة شقيقه، فقد أدرك أن ما كان يبهره من جمال على الخشبة، من إضاءات وديكور وتأثيث خشبة ما هو إلا السينوغرافيا التي جعلته لصيقاً بهذا العالم الكبير، وجعلته منجذباً لفضاءات المسرح ومناخاته.

تصوير-فضيل-حدهوم

 

شغفه بالتصوير المسرحي والذي قاده لأن يكون حاضراً في فعاليات مسرحية خارج الجزائر، وأن يقدم ورشة تدريبية دولية في الفوتوغرافيا في ملتقى القاهرة الدولي للمسرح الجامعي 2019، لإيمان المسرحيين بأهمية منجزه الإبداعي المتفرد، وقدرته على أن ينقل اللحظة المسرحية بعين الفنان، هذا الشغف جعل من صوره مادة أرشيفية مهمة، حيث يقول “تأتي أهمية التخصص في هذا الفن في الاحتفاظ بلقطات جميلة من الأعمال المسرحية التي تتراكم لتكوِّن رصيدا للمسرح، هي الوظيفة التوثيقية التي تسهِّل عملية جمع الأرشيف البصري الذي يشكِّل إلى جانب الأرشيف المكتوب والسمعي البصري مرجعا مهما عن المسرح العربي والجزائري مستقبلا”، فعلاً، فصوره تعد مرجعاً بصرياً للمهتمين بالمسرح، يمكنه أن يغذي الجانب البحثي فهو لم يبخل يوماً على مسرحي بصورة، فصوره متاحة لطالبيها، رغم ما يكتنف الأمر من مغامرة في زمن ما عادت الملكية الفكرية محترمة، وفي زمن الدفق الصوري في وسائل التواصل الاجتماعي التي ضيعت حق المصورين الفوتوغرافيين.

علاقته بالمسرح لم تقتصر على التصوير وشغفه بالمسرح والسينوغرافيا، بل أن رفيقة دربه، ورفيقة شغفه الدكتورة كنزة مباركي صحفية وكاتبة مسرحية حازت على جوائز عربية مهمة، منها جائزة الهيئة العربية للمسرح عن نص (جحا ديجيتال) 2016، والمركز الثالث في ذات الجائزة عن نصها (مدينة النانو) لعام 2018. يمكن تصنيف فضيل حدهوم كمسرحي يملك موهبة التصوير، فهو يملك ثقافة مسرحية قد تعوز بعض المشتغلين بالمسرح.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق