أدبالرئيسية

قصائد “إلهام بورابة” والبحث عن “السلوان”

قراءة الشاعر والناقد مشعل العبادي في ديوان " سلوان العنب" للكاتبة إلهام بورابة

جرِّبْ ذات مرَّة عند قراءة نصٍّ شعريّ ألاّ تعمد إلى تجنيس القلم؛ ما بين ذكوري أو أنثوي، وألّا تحصره بين قوسين لتشير إلى “النوع”، وعمّا إذا كان “نثريّاً” خالصاً أو عموديّاً ذا جرس موسيقي .. (اقرأ التجربة الشّعريّة بتجرّد).
هذا ما فعلته بانتباه شديد حين طالعت ديوان “سلوان العنب” للصوت الشعريّ المتفرّد .. الكاتبة “إلهام بورابة”، ثم أرتأيت الدّعوة إلى تفكيك مغاير ومختلف لفضّ رسائل الديوان، والتنقيب داخل عمق القصائد لا الظاهريّ منها، والسّعي الحثيث إلى تتبّع النغمات الصادرة عنه والتي لا تكاد تصل المتلقي من فرط اللغو الدائر حول تجنيس النّصوص وتأطير الأقلام داخل مصطلحات ومسمّيات غابرة.
إنّ النصّ الصّادق ليس بالضّرورة أن يكون نظماً بتواجد تناغم داخلي لمصفوفة أبيات، أو نثراً حرّاً ، بل هو ما يحوي نبضاً محسوساً ويحرّك القارئ للبحث عن كل الدّلالات الكامنة ويتعالق معها.
عندما يُكتَب الشِّعر عن المرأة فإنّه يقدّم رؤيته الخاصّة، أمّا إذا كتبتهُ امرأة فهي بهذا تقدّم لنا رؤيتها الخاصّة – الفرديّة – التي تنبني على تجربتها الشّعريّة عبر اللّغة واستخداماتها المتعدّدة داخل نصوصها؛ فتتجلّى لنا الصّورة الشّعريّة، وتبرز أدواتها أيضاً.
هذا هو الإصدار الثّاني للكاتبة الجزائريّة بعد مجموعتها القصصيّة “شرفات الأمريكان” في العام 2018، وقد شاركت في كتاب “غيلان الكردي” الصادر عن مؤسسة البابطين، وفي كتاب “شاعرات وكاتبات المغرب العربي لأطفال سوريا”، وكان لها مشاركة متميزة في كتاب “مشاعل جزائرية” الصادر بالعام 2018، وكذا حصلت الكاتبة على جوائز عديدة منها الجائزة الأولى بالعام 1988 في القصّة القصيرة عن جريدة النّصر، وحازت أيضاً “الجائزة السادسة” في الشعر عن مسابقة “ملتقى الشّعر الطّلابي” بالعام 1988، لتعود في 2015 لتتحصّل على “الجائزة الأولى” في القصّة القصيرة عن مؤسسة الفكر العربي (إبداع المرأة – دورة الجزائر- 2015).
في تجربتها الشّعريّة تتعدّد أطر النسيج الشّعريّ وفقاً لمنظورها الشّعريّ الجماليّ، إذ تنبثق مفرداتها اللغويّة من الاهتمام بتأثير جماليّات اللّغة التي تصقل القصيدة، وبالقصيدة الإنسانيّة التي تضيف للشّعر ثقلاً..
العنوان:
وهو العتبة الأولى التي تدخلنا عالم الشاعرة، “سلْوان” مفرد ومصدره “سلا”، وهو ما يذهب الهمَّ والحزن، تقول الحكمة أنَّ “السلوان” ماءٌ كانوا يزعمون أنّ العاشق إذا شربه سلا عن حبّه، وإنّه دواءٌ يشربه الحزين فيسليه، ويقال: “سقيتني سُلوانًا: طيّبت نفسي.”
ومن خلال قصائد الدّيوان، وهي التي تقوم على معنيين (السلوى) و(السعادة)، إذ يستمر سعي الشاعرة بالبحث عن السّلوى والتي تلتمسها ضمناً في الـ”العنب”..
“سلوان العنب”، وأيّ سلوى في لذوعة العنب أو في حصرمه؟ أو أين تكمن السّلوى في تجرع عصيره، أو التلذّذ بمذاقه السكري -المؤقت-؟!
وهو عنوانٌ لم يتضمّنه أيٌّ من القصائد بين دفتي الديوان، وأعدّها عتبة أساسيّة لمقاربة عالم الشاعرة، إذ تشير المفردة الأولى “سلوان” إلى التعميم في البحث عن الدّعم الإنساني الذي نبغيه جميعاً، والمفردة الثانية “العنب” يستقطب المتلقّي إلى لوحات رؤية أوسع وأكثر جدلاً، إذ تنفتح معها كل التأويلات (القاتمة والمبهجة) .
وفي كلا التأويلين يرجع لوعي المتلقّي دوره في استبيان الصّورة الكلّيّة للنّص وما يرمي إليه، ويبدأ في تكوينها منذ العتبة الأولى للدّيوان مروراً بالعتبات المتلاحقة من ترتيب النصوص وإدراجها داخل المتن والذي رتّب بقصديّة لغويّة وفنيّة عالية، ويظلّ المتلقّي في قراءته متأثّراً بالإشارة الحسّيّة والفنيّة للعتبة الأولى، سواء بتميّزها بالإشارات المعرفيّة لها دون العتبات الأخرى لقصائد الدّيوان، أو لتفرّدها دون العتبات لما تركته من أثر على المتلقّي .
الغلاف:
عندما تتأمّل لوحة الغلاف ستجد أنَّهُ عنوان ثان، في مضمون ما يوحي به من دلالات، وأنّهُ يُعَدُّ لوحة شعريّة أولى؛ فتمازج الألوان التي تبعث على البهجة واختيار مناطق التمويه اللّوني والتداخل العشوائي في اللّونين (الأخضر الداكن والأزرق) ثم تداخل وبسط اللون الإرجواني على حبّات العنب بجميع درجاته؛ أضافت تلك اللوحة المركّبة الكثير من البهجة البصريّة المتعمّدة.. لتخبرك اللّوحة أنَّ هناك سلواناً في الحياة باكتشاف مباهج الحياة .. هناك أمل.
الإهداء:
الإهداء في مستهلّ الدّيوان المعنون بـ”سلوان العنب” والذي أعدّه السمت العام لقصائد الديوان، يواجه المتلقي إهداءً يعضد “العنونة” أو ما يرمي إليه العنوان الباحث عن السلوى – الأمل ..
إنّ المتلقّي لديوان “سلوان العنب” يستوجب عليه مهمّة تجميع الصّورة الكلّيّة للنّص، ونفض الشوائب عنه، وتحليل ما يقابله من شفرات يبدأ في تفكيكها منذ العتبة الأولى وحتى العتبات التّالية لها والمكمّلة لبقيّة النّصوص، وتبقى العتبة الأولى هي مفتاح الديوان، وهو بمثابة قصيدة إستهلاليّة له .. الإهداء:
(إلى المتأملين في الحياة كأن لا شيء محال..)
ثم يتصدّر الديوان قصيدتان متتاليتان وهما قصيدتان معنييان بِالشِّعْر ذاته، بما له وما عليه؛ القصيدة الأولى بعنوان (نشوة) وهي تروي لنا عن كينونة الشِّعر المجرّدة سواء كانت في النظم أو النَّثر، وعن كيفيّة تلقّيه وعن جدوى ومتعة (التلقي)، تقول “بورابة”:
(هذا الشعر رضيع .. كامن صوته في ثدي ثري
يحفز العثرة بالعضة؛ فمن يطلع منه كاملاً؟)
وترمي القصيدة الثانية إلى (الأثر) هو أثر التلقّي وأثر الكتابة معـاً ، تقول “بورابة” في القصيدة الثانية والمعنونة بـ”رغوة سعيدة”:
(هو الثائر.. منفرداً يحرك الهيكل والأفكار..يهز الداخل كي لا أموت هناك..
فهل نرى كيف يختار دوافعه؟)
أمّا في القصيدة الثالثة وهي الأبرز في الديوان، وتعد القصيدة المكملة للقصيدتين السابقتين، وهي بعنوان “أمل”:
(واعتراني شعور ثقيل.. فما تولدت من البشر قصيدة.. و لا تبسم لحن يشدو مناه).
ثم تتوالى القصائد والتي لا تخرج عن ذات المغزى وتحمل الرّسالة ذاتها، وهي سبع قصائد:
(رغوة سعيدة – أمل – سيرتا أجمل الأوقات – وطن – وعبرت الصحراء – غرباء – أماكنهم القديمة)
وهي من أصل (اثنتين وستّين) قصيدة (مجموع قصائد الديوان )، وتفرض الصيغة ذاتها على مستهلّ المنمنمات القصيرة التي اختتمت بها الشّاعرة ديوانها، والتي تضمّ خمس منمنمات شعريّة، وتعدّ المفتتح القاتم أو الوجهة الأخرى من مضمون الديوان، والتي تتجوّل حول الموت ودلالاته، وهي معنونة بـ(موت- حداد-آية الشعراء- ثم)، تقول في قصيدتها القصيرة “موت”:
(هنالك أسماء عنب وأخرى أمل .. لحين الليل بشكل ثان، خمسون ضميراً حيّاً، ولا أملك نفسي من الموت.!)
وفي “حداد” تقول الشَّاعرة:
(بعد الموت والأعاصير .. أريد أن أطمئن على السحب البيضاء، التي لم تقم الحداد على موتي.)
تتميز الكاتبة باختيار موضوعات لم تخرج عن أُطر الكتابة والشّعر والشّعراء، حتى عن القلم المستخدم بالكتابة.. كما تميّزت بثراء لغوي ظهر جليّاً في اختيار مفردات مرنة لها تأثير خاص، إذ تتداخل مع كثير من المفردات الشّعريّة الأخرى، فتقول عن الكتابة في قصيدة “ضمير المتكلم”:
(يوميا.. لي غرض للكتابة.. وهذا شائع.. للكتاب
لكني فقط أدور حول علاقتي بذاتي لتقبل الانتقال بين الناس خارج الكلمات.)
وتتحدّث عن الشَّاعر في قصيدة “بيلوغا”:
(الشاعر الذي يدهس غيمة بشرفة عالية .. يحقنها فيرتجف البرق .. وتكبر المعجزة.)

(ثنائيات اللغة في “سلوان العنب)
كذا تحضر الثنائيات -التضادات- بشكلٍ واضح في ديوان “سلوان العنب”؛ ففي ثنائية (الموت-الأمل) يحضر الموت بقدر متساوٍ مع حضور الحياة بشكل واضح في القصائد؛ ففي قصيدة (تغيب الشمس مشرقة) تتضمن المعنيين .. الأمل واليأس إذ تقول:
(وها هو قلبي يستعمل حقيبته الصفراء وأرحل بين بلد وآخر.. أمحو الكراهية بين البشر.)
ثم تقول:
(لا يتفطنون إلى طريقي الجاف .. لا أجد ما أحدثه إلا هذا الكون الأسود، آوي إليه، ليمارسوا الحب و لا أعيرهم انتباها.)
وفي قصيدة “عاد الليل يا ليلى”:
(سوف أجد بدل الشارع شاعرًا في عينيه ضحكات .. في شقائه ليلى تصنع المعجزات.)
وفي نفس القصيدة:
(تلعب مثل “رامبو” بالموت والحياة… نحن لا نقرأ كلام الشاعر .. بل نقيم في لقائنا الأول به … للممات!)
ومن المفردات التي ظهرت بكثرة في الديوان وكانت ذات تأثير: “أسماء الحيوانات” مثل (اليمامة- الحرباء-الكلب- الذئب- العصافير- السمك- الثعلب-الفراشات)

الزمن في “سلوان العنب”
يظهر التشكيل الزمني واضحاً للغاية في التجربة الإبداعية لـ”إلهام بورابة”؛ فالزمن هنا لا يحضر على هيئة ماضٍ تستدعي منه الكاتبة ذكرياتها، بل هو مكوّن أساسي وفاعل في النص، أي هو ما يشكل الحاضر والمستقبل، حتى لو تداخل مع الخيال الفني للشاعرة، أو تخيّر دلالة زمنية منفتحة على المستقبل، والذي يبدو مغايراً للحاضر..
نخلص إلى أنّ قصائد الديوان معظمها يقع في الزمن المضارع، والذي يبرز تركيز واشتغال الشاعرة على اللحظة الآنية؛ لتكمل صورتها الشّعريّة التي لا تكتمل؛ فتستحضر حرف الـ(السين) الذي يرمي إلى المستقبل المأمول، ويكون الشعر هو مجداف السفينة.. كما استخدمته في قصيدة “زوربا أيها العربي”:
(أن ينتهي العالم أعدل من أن يحرق أي كتاب
قادماً… سيتِم زوربا إشرافه على ابتسامة العالم العربي!)
وفي قصيدة “صنوبرة في فنائي”:
(صنوبرة منذ ظهر الأنبياء .. وسوف تتم عذوبة القطرة صوب الغيب)
وتستخدم أيضا فعل الأمر لتحيل الصّورة الشّعريّة من الوجهة للوجهة الأخرى.. من اليأس إلى الأمل .. من الظلام إلى النور..تقول في قصيدة “غرة أفريل”:
(الكذبة التي أجلس عليها في أول أفريل.. تقنعني أنِّي أحيا .. فما الاضطرار؟ فدوري يا جداول دوري.!)
وفي قصيدة “للطفل أغنية”: (أعطه أغنيتك .. يعطك عنقه أمانة! لا تخلق من روعته طائرك.)
استخدام الشاعرة للمضارع والمستقبل، يشير إلى عاملين هامّين في قصائد “إلهام بورابة”، أولهما أنّها تستلهم قصائدها من الواقع والحياة المعاشة مثل (إيموجي- سلطانة-كالدانوب-سبتمبر-غرة أبريل-نجاة) وقصائدها المستمدة من الواقعي مثل قطع “البازل” تكتمل بالخيال؛ فتعمد الكاتبة إلى الإتيان بخاتمة “غير واقعية”، تستجلب الدهشة وتحدث المفارقة.. كما تنهي قصيدتها المعنونة بـ”مشهد حميم”
(وكان أقرب إلى الحياة .. دخل عقلي اعتقلته.)
وتذيل قصيدة “اختبار الحياة”
(كيف للظل أن يصب، ولم يعرق يوما بين أسطري؟ تقيس نصي إلى قامتها؛ فيحترق.)
كما تجيد الشاعرة استخدام الزمن بجميع آلياته (الماضي-الحاضر-المستقبل)، لذا يتجلى في كثير من قصائدها (فعل الانتظار) في القصائد من الجانبين، من الكاتبة والمكتوب عنه أو إليه، ويظهر ذلك جليّاً في كثير من قصائد الديوان؛ ففي قصيدة “خريف”: (دونك أبقى أمتحن أسئلة الخراب .. أبني هيكل الكلام من ردم الضياع.. هنا الخريف وحفيف أوراق يقتاتها نص بنفس عسير .. ضجة…. كركره..العمر ليس أصم غير مشفق على دنيا…. يتهيأ للرحيل.)
وفي “ثم”: (طيب..ثم ما بعد الخريف؟ طريق غامض بلا تزمين.. فرصة فقط للإنتماء إلى الحياة).

وختاماً .. أجد أنه من الصعب حشد جماليّات الدّيوان في نصّ دون أخر، ويمكن الإقرار بأنّ الشاعرة “إلهام بورابة” قد استطاعت التحصل على أخيلة جماليَّة تجعل المتلقي يرى تقنية بلوغها وحركة قراءتها بسلاسة وتدفق فنّي بالغين..
لقد انتقت الشاعرة مفرداتها اللغوية، ومواضيع قصائدها بعناية وحساسية بالغة، وخطّت أنساقاً أسلوبيّة متفرّدة ورسمت لها خطّاً إبداعيّاً خاصّاً بها وبتجربتها الشّعريّة المائزة.
———-

مشعل العبادي/ كاتب وناقد من السعودية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق