أدبالرئيسية

قطتي “زنوبيا”

.. Once upon a time, I had a cat
سمّيتها ” زنوبيا” وكنت كلما ناديتها باسمها، تجيب ” مياو”!، فأقدم لها الأكل وأنا أزيد من ثقتها بنفسها: ” هل تعلمين بأنك ملكة؟ وأنك قدتِ جيوش مملكة تدمر في غزوها لمصر وآسيا الصغرى؟”، فتنظر باهتمام في عيني، وتؤكد:” مياو مياو”.
زنوبيا قطة استثنائية، لأن قدومها إلينا تزامن ومولد أختي الصغرى ” دنيا”، وكانت أمي تملأ من حليب صدرها إناءً زجاجيا لتشرب منه زنوبيا، يعني هي أختي من الحب والرضاعة، وبعد أن كبُرَت قليلا، صارت تأكل معنا بشكل ” بشري” تماما، فلا يمكنها تناول لحم نيء مثلا أو أيًّا مما يأنف الانسان من تناوله، لا تغادر البيت مطلقا إلى الشارع، وإذا زارنا ضيف، كانت تختفي طوال فترة مكوثه، تحت طاولة المطبخ، نحضر لها أكلها هناك.
كانت تتردد على دورة المياه كشخص عادي، وإن وَجدتها مشغولة، تطرق الباب. وإذا رأت أحدنا يبكي، تقبع بحجره أو كتفه، وتموء بشكل خاص يرق له القلب، وتمد طرفها لتمسح الدمعة عن عينه..
كنا نراجع دروسنا أمامها، فتبقى باسطة يديها على الكراس تنقل نظرات عينيها العسليتين بيننا وبين مانقرأ، كأنها تفهم.
لم نتعلق بكائن غير بشري، مثلما تعلقنا بها، وذات يوم، جاءت جارتنا العجوز ” غنوجة” تستلفها لتقضي لها على الفأر الذي عاث ببيتها فسادا، فقطها كسول، ينام طول الوقت..حين عدت من المدرسة، لم أجدها، فهلعت، وأخبرتني أمي أنها ببيت الجيران، ركضت وأختي إليها لنجدها مربوطة بخيط بعنقها ويد الجارة ” مخبّشة” بشدة.. هالني منظرها، وقالت العجوز أنها فعلا أمسكت بالفأر لكنها لم تأكله، بل بقيت تتلاعب به بين يديها حتى قبضوا عليه..ترجتنا لنتركها ليلة أخرى..
كانت نتيجتها أن عادت إلينا زنوبيا حاملا!! وأدركنا أنها ما كانت لترضخ لقط العجوز الأحمق لولا أنها كانت مكبّلة ومغلوبة على أمرها.
وكالقطط “الحرة” من السلالات الراقية، أنجبت قطتنا ابنًا وحيدا يشبهها تماما، أسميناه ” زينو”، كان بنفس أخلاق أمه، لكنها حين توفيت بسلام ذات ليلة، حزن ” زينو” لدرجة أنه أصيب بالعمى..كان يجلس طوال اليوم على الدرج المؤدي إلى ”السطوح” ينظر مباشرة إلى الشمس..ربما كان يرنو إلى روح والدته تراقبه من خلف غيمة تمر. ثم امتنع عن الأكل، حتى التحق بأمه بصمت.
لم يُنسِنا شيء أو “قط” آخر محبتنا لزنوبيا وصغيرها، ولا شيء قد يصف تلك الحميمية التي تنشأ بين الأطفال والقطط.

اظهر المزيد

فوزية خليفي

كاتبة وأستاذة لغة انجليزية من ولاية باتنة- الجزائر. مهتمة بالقصة القصيرة بشكل خاص، في رصيدها ثلاث إصدارات، آخرها تحت الطبع. مجموعتان قصصيتان: " المقعد الأحمر الوثير" صادر منذ سنتين عن دار المثقف. " ڨمرة"، تحت الطبع عن دار أجنحة للنشر والتوزيع. وكتاب نصوص " مزاج الريح" صادر حديثا بالأردن عن دار المعتز.

مقالات ذات صلة

أكتب تعليقك هنا

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: