الرئيسيةمسرح

التقنيات الحديثة وأثرها على مستقبل المسرح

 

شكلت التكنولوجيا الرقمية بوسائلها التقنية التي تمثلت مختلف النشاط البشري الملمح الأبرز من ملامح العصر بحضورها حضوراً مستمراً في مجالات الحياة، وأبواب العلم وحاجات البشر، كونها أحتوت على أصعدة المعرفة كلها، فأخترقت وسائلها كل القيم الإنسانية، وأحدثت تأثيراً في المصفوفات القيمية، نحو تحولات جذرية في شتى مجالات الحياة، مما أدى إلى إفراز مفاهيم حداثوية حول فنون المجتمعات المعاصرة، إذ يعيش العالم اليوم مرحلة جديدة في التطور التقني أمتزجت فيه ثلاثة محاور هي (المعلومات, والاتصال، والحاسبات)، وأنَّ التكنولوجيا الرقمية، أو كما يسميها البعض بثورة المعلومات بكل عجائبها، وما جلبته من تغييرات جذرية لهي أمر حتمي جعلت الإنسان يمتلك أفكاراً ورؤىً تختلف عما كانت رؤيته بالماضي, وأثرت على نشاط وسلوك الإنسان, ولم يقتصر تأثيراتها على البيئة والعالم المادي، بل تعدت لتشمل مفهوم الإنسان وإدراكه للفضاء وانتمائه فيه حتى أخذت تركز فيها الجهود وتسخر لها الإمكانيات وتعد لها الاستراتيجيات، لما لها من دور فعال في حل المشكلات والمعضلات التي تجابه الإنسان في حياته اليومية. إنها وسيلة من وسائل الإنسان في ممارسة عاداته ومختلف أنواع سلوكه، وطريقة في التعبير عن ميوله وقيمه، وعن نظرته إلى الكون والحياة.

إنَّ ما يربط التكنولوجيا بالفن هو الصفة الجمالية التي تتصف بها العملية الفنية عن طريق تحويل الكامن إلى الظاهر، إذ نشهد أنَّ الإنسان التكنولوجي إذ يقف طويلاً ومراراً عند الجانب الجمالي, وكيفية إضفائه في العملية التصميمية والتنفيذية في آن واحد. في ذلك يجمع علماء الفيزياء في القرن العشرين على أنَّ (الجمال هو المقياس الأساسي للحقيقة العلمية)1، والتي تكشف عن نفسها بتحول الحقيقة إلى موضوع للفعل الإجرائي الخلاق، والذي يستند إلى بديهيات الحقائق بإحلال بديهيات محدثة تتموضع في نسق المفاهيم مكملة التطور التاريخي للمسعى العلمي الإنساني هذا من جهة، ومن جهة آخرى فأنَّ الجمال نفسه يمهد الطريق إلى الوضوح والقناعة، بما يجسده من تمثل قيمي ومفاهيمي في الفعل الإنساني، كما في محاولات التجريبيين في إضفاء طابع البرمجة العلمي على الجمالية , وعلى الرغم من أنَّ مبدأ الجمالية على الأقل من الناحية المنهاجية، هو علم وضعي في المقام الأول، بمسعاه لمقاربة تجربة العمل الفني وحضوره في حيز الوعي الإنساني كتجربة جمالية، مع البنى العلمية القائمة على الحقائق والبديهيات، لخلق فروض تجريبية تنتهي بالإثبات لأبعاد تجربة العمل الفني في ميدان حضوره وفي واقعه الإجرائي، وبالمحصلة النهائية أنَّ البحث الجمالي يركز في  أهتماماته بالكشف عن الحقائق الخاصة بالفنون، والعمل على تعميمها، فضلا عن دراسة ما يتصل بهذه الفنون من قوى وفعاليات إنسانية.

وبما إن  الكمبيوتر هو من تقنيات التكنولوجيا الرقمية، لذلك يعد مصدر المحايثة الجمالية عبر وسائط التعبير، فمن الطبيعي أنْ تكون هناك عناصر جمالية في صميم التكنولوجيا نفسها، بوصف الأخيرة الوسائل الخاضعة لإرادة بقصد تحقيق غايات بعينها، أيّ هي ستراتيج العقل العلمي في برمجة العالم الطبيعي ضمن رؤية نقل العالم موضوعياً من الطبيعي إلى الإنساني، فكانت المفارقة بإنتقاله لاحقاً إلى الأداتي التكنولوجي، وهو حاصل مشروع الحداثة التاريخي المتجلي في القرن العشرين، فالتكنولوجيا كما يرى الفيلسوف (تيودور أدورنو)*  بنزعتها التجريدية لكل ما هو إنساني أصبحت الأسطورة المعاصرة، ومن ثم تفشي قيمها في المثال الجمالي الذي يطرحه العصر الحديث)2.  ومن هنا كان بديهياً الأحتفاء بعناصر التكوين بوصفها منطق الإنشاء من الوجهة التكنولوجية التي تهدف إلى الإشباع الحسي في عملية التجربة الجمالية, ومن ثم مغايرة نظم التلقي للعمل الفني، من القيمي الأخلاقي إلى المجرد عبر النظام والتنوع والحركة واللون، والتي تعني الجمال بذاته، لتمثل قيماً جمالية مجردة تحضر في  المبتكرات الفنية.

إنَّ حتمية العصر التكنولوجي جعلت من التقنية الرقمية المعاصرة وسيطاً حيوياً للحياة بعد أنْ كانت حياة الكائن البشري متعلقة بالبعد الطبيعي المادي كواقع له، لتأتي التقنية الرقمية واقعاً مجاوراً، هو واقع إفتراضي، تحول إلى واقع مفرط بسيل البيانات والقيم التي يتعرض لها الذهن البشري المتفاعل مع القيم الزمانية والمكانية، والموضوعية التي شكلت فضاءه الحيوي للتواصل والتفكير، وحتى الخوض في تجربة جمالية التي تطرحها وسائل التصميم الفني لشكل الوسائط التفاعلية، بقيم الحركة واللون والإيقاع، والتنظيم والتناسب، فضلاً عما تفرزه من محاكاة للتواصل الطبيعي المادي للإنسان، وهي تستند إلى أطر التجربة الجمالية بمستوياتها الواعية  واللاواعية، إذ الأخيرة التي تتلقى في فضاء اللاوعي لإشارات تنظيم وبرمجة يتعرض لها الذهن لا شعورياً يمثل اللاوعي الجمعي لعمل المؤسسة في إدارة المجتمع عبر (استحداث روابط تماسكية جديدة، ودقة واتساق في الممارسة، أي بعبارة مختصرة ، عبر تكتيكات عامة لإدارة الذهنيات)3، وهو ما يوصل إلى واقع أنَّ ممارسة العيش للإنسان المعاصر أرتبطت بأنساق تأسيسية مفترضة نسبة إلى عالم إفتراضي تعويضي، ومحاكاتي بنفس الوقت للواقع عن طريق وهم التفاعل أخذت تهيمن على معرفيات العصر فأصبح الكمبيوتر والانترنيت واقعاً إفتراضياً أستطاع أنْ يكسر حاجزي الزمان والمكان ، وهذا الواقع يأتي موازياً تماماً للواقع الطبيعي الذي يحياه فعلاً ومؤسساً لمفهوم الإنسان الإفتراضي بوصفه الإنسان الذي يتعامل مع هذا الواقع وهو جالس في بيته أمام جهاز الكمبيوتر منفتح على العالم الإفتراضي عن طريق شبكة الإنترنيت وبدأت التكنولوجيا الرقمية الحديثة تعرض نفسها على جميع مناحي الحياة ، وبالتالي تزايد إيقاعها الرقمي على نحو أشد وطأة من ذي قبل، حتى صار المجتمع الإفتراضي واقعاً مفرطاً على الحياة اليومية.

لذلك، فإن معظم النتاجات المسرحية باتت تعتمد في إنتاجها اليوم على التكنولوجيا الحديثة عن طريق الكمبيوتر الذي يعد الآلة التقنية الوحيدة القادرة على خلق أشكال جديدة غير مألوفة، إذ يقوم على أساس فرضية وليس على أساس مادة موجودة بالواقع، ويصبح للكمبيوتر القدرة على إلغاء الحقيقة وخلق بدلاً عنها فرضيا مادة جديدة تصبح في جوهرها هي الحقيقة،وهكذا يمكن القول أنَّ المحاكاة تمتلك أنموذجا مفاهيميا مغايراً عما كانت عليه, فهي باتت تأخذ الإفتراض الثالث أصلاً لها فإذا كانت :

  1. الطبيعة إفتراض تشبيهي عن مثال أصل.
  2. كان الفن إفتراضاً تشبيهياً عن الطبيعة.
  3. وكانت التكنولوجيا الرقمية إفتراضاً مضاعفاً على إفتراض الفن )4.

إذ أنَّ التطور التكنولوجي في العصر الحديث له الأثر الكبير, إذ يساعد في توظيف السينوغرافيا لصناعة الصورة المشهدية التي تتلائم مع متطلبات اللحظة التاريخية المعاصرة, وبما أنَّ المسرح يشكل الوعي الجمعي عن طريق التعبير عن أفكاره ومضامينه ومواقفه سعى إلى إستعمال التكنولوجيا, لكي تكون كأداة من أدوات الفعل الإبداعي كونها فاتحة لفضاءات تفكير جديدة تمكن المسرح من زيادة زخم خطاباته، وكفاءاتها في خلق مستويات تواصل عدّة واعية ولا واعية عبر ما توفره تكنولوجيا التقنيات الرقمية من مجموعة من الأدوات والمعارف والمهارات اللازمة, لتحقيق إنجاز معين ممن تشكل أسس, أو قواعد التكنولوجيا)5, وأنَّ ظهور الكمبيوتر والعالم الرقمي يعد من الإنجازات الفاعلة والمتفاعلة مع العرض المسرحي, والتي تدفع بمكوناته إلى الأمام من حيث التوظيف والجمال, وكل هذا التحديث في التقنيات انعكس بشكل مباشر, أو غير مباشر على جميع قطاعات الفن والثقافة ، الأمر الذي سيجعل من العرض المسرحي أنْ يتفاعل مع هذه المتغيرات التقنية من أجل صناعة سينوغرافيا تستطيع أنْ تصنع الدهشة البصرية بما يحتاجه المتلقي في العرض المسرحي الجديد، وأفاد المسرح المعاصر من التقنية الحديثة والمتمثلة بالتكنولوجيا الرقمية بشكل جيد, وذلك عن طريق المزاوجة بالعمل بين برمجيات الكمبيوتر, وسينوغرافيا العرض المسرحي ولا سيَّما على المستوى الحسي والبصري,   فأطلق على المسرح الذي يتعامل مع هذه التقنيات وبحسب إستعماله لهذه التكنولوجية الرقمية المتمثلة بالكمبيوتر وبرمجياته  بالمسرح الرقمي أو المسرح الإفتراضي, ولأجل إخراج عرض مسرحي رقمي أو إفتراضي كان لا بد من إنتاج بيئة للواقع الإفتراضي, وهذا يحتاج إلى  تهيأة برامج (Software) قادرة على إنتاج بيئة للواقع الإفتراضي يمكن التحرك داخلها بصرياً إذ تستطيع خلق تعايش وإندماج مع هذه البيئات الإفتراضية, وتحويله إلى بيئة تعطيبنا إحساساً بالحقيقة والواقعية, ومُضافاً إلى أنه لا بَّد من توافر الممثلين الإفتراضيين, أو الرقميين وهم شخصيات وهمية يتم التحكم بهم من خلال برامج يديرها أشخاص ذوو خبرة ودراية ببرمجيات الكمبيوتر, وبعد هذا كان لابّد من التحدث عن الواقع الإفتراضي والتعايش مع البيئة الافتراضي)6 , إذ أنَّ استعمال الكمبيوتر والبرمجيات سيجعل من المعالجات الإخراجية في رسم السينوغرافيا أكثر تعبيراً وتوظيفاً وجمالاً, ولا سيَّما إن العالم اليوم   لامس وإفاد من الوجود التكنولوجي في مستويات رفيعة تضع العاملين في مجال المسرح بحاجة إلى إستعمال وتوظيف هذه التقنية لتأسيس نظام صوري سينوغرافي يعتمد الكمبيوتر أصلاً في التصميم، وعلى هذا الأساس نرى أنَّ المسرح الحديث مبني على حقيقة إفتراضية عرفها البعض على أنَّها واقع مُصنَّع يصور المستخدم في فضاء ثلاثي الأبعاد, وهي محاكاة (الكمبيوتر)لأشكال حقيقية من الواقع يمكنها التفاعل مع الإنسان)7، إذ أنَّ الواقع الافتراضي صور تخيلية من جانب ، وتتحول بالتفاعل إلى عالم إفتراضي يتم فيه خلق أنساق تجريبية تنتهي بالتحقق من الفروض المتجسدة بفعل التقنية الرقمية، ومن ثمَّ فأنَّ حصيلة القيم المتحققة على الرغم من إرتباطها بالعالم الإفتراضي الذي أتاحته التقنية الرقمية، إلاّ أنَّها من جانب آخر ستكتسب واقعيتها الطبيعية من كونها مرتبطة بالنسق الفكري الذي صدر عن وعي بشري في محاولة فهم عالمه أو التعبير عن تجربة وعي أو خلق نسق بوح تعبيري للذات ، وهو مرتبط بكليته بالذات البشرية والإنسان الواعي وعيا قصدياً في خلق الأثر في عالمه، وتحقيق غايته الإنسانية، وهي مقاصد واقعية طبيعية. فالكومبيوتر عندما يقدم صوراً لأشكال لم تزل هي الأخرى في خيال المصمم ، فأنَّها تبدو واقعية بمقدار ما تجيزه مهارة المستخدم  لها في هذا البرنامج)8 ، وهي تلك المهارة البرمجية في إدارة وتشغيل البرنامج المحاكاتي، مثلما هي مهارة التخييل في العملية التفاعلية مع مخرجات البرنامج المحاكاتي.

ومما تقدم فقد مثّل الكومبيوتر متغيراً كبيراً في وسائط التعبير والتفاعل السيسيوثقافي وبالذات المسرح والفنون المسرحية بما أعطاه من دعم تقني للعملية الفنية لغرض تحقيق الإبداع والابتكار عبر إمكانيات الكترونية، وعن طريق العناصر البصرية، وذلك بالتركيبات والألوان، والعناصر السمعية، وعن طريق الإيقاع الصوتي، أو العناصر الحركية، وعلاقتها بالحركة، والديكور، وحركة الإضاءة حتى اجتمعت فيما بعد عملية أساسية في عالم المسرح،  وهذا الدخول يعد الأساس الذي يسمح للكمبيوتر أنْ يكون جزءاً من المنظومة التكنولوجية في تطوير الصورة المشهدية للعرض المسرحي الذي يسهم في بنيتها عبر (وسائط تقنية عدّة يصمم أفكارها ويخطط إستعمالها اختصاصيون في الموسيقى، والإضاءة، والصوت، والخدع البصرية، والملابس، والعمارة، والتشكيل، والرقص، والغناء، ويسبقهم في كل ذلك مخرج العرض المسرحي)9. بوصف الأخير عقل إدارة الإفتراض التجريبي والتحقق من الفروض بإدامة نشاط التفاعل التخييلي مابين المتلقي والعرض وفق رؤياه التصميمية وأهدافها الأدبية والفنية. إذ يعمل بالبحث عن معادل لمعالجات توازي التغيير الذي حصل في فكر المشاهد أو المتلقي بوجود التكنولوجيا، لاستغلالها في العرض الفني كبديل مساعد في التشكيل البصري، وصناعة الصورة المشهدية . مما دفع بالمسرحيين إلى تبني هذه التقنية الجديدة وتبني إستعمالها, فأخذ الكثير منهم الوسائط الحديثة والكمبيوتر والانترنيت حقولاً لتجاربهم الجديدة, أو لإعادة تشكيل أفكارهم وتنفيذها عن طريق الوسائط الرقمية الجديدة إذ أنَّ العمليات التي يقوم بها الكمبيوتر متأثرة إلى حدٍ كبير بدرجة وتناسق نشاطنا الجسدي والذهني، بالمقارنة مع الكمبيوتر، مع وظائفه وسلوكه ، ويمكن أنْ يظهر هذا النشاط درجة كبيرة من التركيز يتجاوز الصلة المباشرة صلة السبب في التأثير وتعريف على قدرة حقيقية  الأداء)10 . وعلى هذا الأساس يُعّد الكمبيوتر نموذج جديد للتقنية في صناعة وتشكيل الفضاء المسرحي وإمكانية تأثيثه بعد ارتكاز ذلك الفضاء على المرتكزات التالية كما في المخطط أدناه :

بحيث إن المخرج وفق المخطط أعلاه، يكون هو صاحب الرؤية والتصور الذهني، أما المصمم فهو الذي يحاكي رؤية المخرج بحيث يوفر فضاءً محاكاتيا افتراضيا للممثل، والذي يعتبر مكون واقعي يحاكي التصور الذهني للمخرج, والمحاكاتي هنا هو عين الحاجة المعرفية بالافتراض والتحقق والاكتشاف أي نحن نحاكي الأشياء وفق افتراض ما ونتحقق من سير هذا الافتراض بما يتم فرزه من نتائج وبالتالي الاكتشاف أما النظام التقني فيشمل الكمبيوتر زائدا البرمجيات. اذن بعد هذا يمكن القول بان المسرح وفق التقنية الرقمية هو فن وسائط هندسة السلوك البشري لان المتلقي هنا ينغمر ولا يتخيل فيتعرض الى سيل من المعطيات الحسية الافتراضية والتي تضعه في حالة انغمار كامل في الفضاء الافتراضي فيتعرض لرسائل انفعالية وعاطفية وحسية تعيد برمجة نشاطه السلوكي وتصل لغايات الخطاب الدرامي الى منتهاه بالتاثير العميق بالمتفرج وهذا ما يجعل من المسرح الرقمي اداة لهندسة السلوك البشري وخير دليل على ذلك الالعاب التفاعلية المأخوذة عن افلام وروائع عالمية…. هذا من جانب ومن جانب اخر بالامكان توظيف هذه التقنية كأداة رائدة في التعليم والتربية والمؤسسات التربوية لما تمتلك من قدرة في هندسة السلوك البشري.

إذاً ظهور الكمبيوتر يُعّد أهم حدث منفرد في تاريخ التكنولوجيا والمسرح الرقمي,   وله الاثر الواضح والمهم في تطور المسرح الحديث في النصف الثاني من القرن العشرين تطوراً علمياً كبيراً , والذي نتج عنه ثورة تكنولوجية غيرت مفهومات المجتمعات البشرية بإتجاه قيم ميل وتفضيل جمالي مرتبطة بتلك القدرة التكنولوجية المستحدثة, وأنّ هذا التطور أدى بشكل مباشر إلى توافر إمكانات عصرية فائقة لمعالجة وتقديم الرؤية الفنية للمخرج, وتحقيق فضاءات المؤلف، فضلاً عن تعزيز أداء الممثل بالوسائل التقنية في تجسيد إبداعه الأدائي، فكان الخلق الفني  بالتقنيات الحديثة أوجد ظروفاً عصرية حديثة للتداول الجمالي, إذ أصبح بإمكان المتلقي أنْ يشاهد العرض بظروف متساوقة مع حركية الصورة الذهنية إفتراضاً مضاعفاً عن الواقع بدواعي المحاكاة في الفضاء الدرامي المفترض، وتداعياتها في الفضاء المسرحي في ظل الإمكانات والتجهيزات التقنية الحديثة، ومن حيث الزمان والمكان وتقنيات الصوت والصورة  وبما يتناسب وروح العصر.

اقرأ أيضا: البعد التفاعلي للفضاء المسرحي الجديد.

ومن هنا نجد أنّ التطور التكنولوجي في العصر الحديث له الأثر الكبير, إذ يساعد في توظيف السينوغرافيا لصناعة الصورة المرئية التي تتلائم مع متطلبات العصر الحديث,  إذ أنّ ظهور التقنية الرقمية ومن ثم العالم الرقمي يعد من الانجازات الفاعلة والمتفاعلة مع العرض المسرحي, والتي تدفع بمكوناته إلى الأمام من حيث التوظيف والجمال, الأمر الذي سيجعل من العرض المسرحي أنْ يتفاعل مع المتغيرات التقنية من أجل صناعة سينوغرافيا تستطيع أنْ تخلق الإبهار والدهشة البصرية بما يحتاجه المتلقي في العرض المسرحي. إذ عمل المشتغلون في عالم المسرح على تطويع كل هذه المعطيات, والمستجدات, والمبتكرات الحديثة لتوظيفها من أجل الوصول بإعمالهم إلى مستوى التكامل الفني, لذلك يعد الكمبيوتر والبرمجيات من أبرز مظاهر الثورة الرقمية التي عملت على توسيع فعالية الخطاب الحسي للعرض المسرحي والموجه للمشاهد المسرحي بزيادة القدرة على مخاطبة جميع حواسه والتأثير بمدركاته العقلية وبما أن الكمبيوتر ومكوناته هو مكون أساسي لوسائط عِدّه, والتي كانت على مستوى عالي من الجودة والأهمية في تحقيق التكامل بين العلوم والفنون لذا فأنَّ بنية الكمبيوتر التقنية وسعت الإمكانيات المتاحة للمسرح التقليدي بإضافة قوة أضافية إلى المخرج ومصمم الإضاءة وكُتاب الدراما والكيفية التي تؤثر على المتلقي. لذلك فعملية المزاوجة بين العلم والفن أعطت دعماً إضافياً للعملية الفنية فأصبح فن المسرح تحت ظل التكنولوجيا من الفنون التي تأثرت بشكل خاص بالتطورات التقنية الحديثة ولاسيما على المستوى التقني مما ساعد المخرج والمصمم على إمتلاك القدرة بالتنوع بمجال العمل وإضافة حلول متعددة لأي مشكلة تقنية ومما لا شك فيه إن هذا التطور أدى بشكل مباشر إلى خلق آفاق جديدة أمام المخرجين والمصممين والمؤلفين لإكتشاف سبل وأدوات وإمكانيات جديدة في التجسيد الإبداعي والخلق الفني من أجل تطوير العرض المسرحي.

 

المصادر:

(1) اغروس، روبرت. م و جورج ن.ستانسيو: العلم في منظوره الجديد، ترجمة كمال خلايلي، سلسلة عالم المعرفة 134، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1989، ص46.

* (تيودور ادورنو)1903-1969:  فيلسوف ألماني ويعد رائداً من رواد مدرسة فرانكفورت الشهيرة – معهد العلوم الاجتماعية –  وأشتهر بدراسته للفن و علم الموسيقى والمجتمع الرأسمالي أصحاب النظرية النقدية، و أعماله تشترك مع أعمال مفكرين آخرين مثل الذين يعدون أعمال فرويد و ماركس و هيجل أساسية لنقد المجتمع الحديث ، و يعد أدورنو من أبرز مفكري القرن العشرين في الفلسفة و علم الجمال  المصدر:    https://ar.wikipedia.org, Access date:1/8/2015

(2) ينظر: محمد, رمضان بسطاويسي: علم الجمال لدى مدرسة فرانكفورت ادورنو نموذجاً(بيروت : المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر,1988,ص120

(3) ماتلار، أرمان وميشال ماتلار: تاريخ نظريات الإتصال ، تر: نصر الدين العياضي والصادق رابح ، ط3, بيروت : المنظمة العربية للترجمة، 2005, ص112.

(4)  See: Matthew, Causey , Theatre and Performance in Digital Culture from simulation to embeddenedness, London and New Yourk,2005,pp151-152

(5) ينظر: سلام, محمد سعيد: التكنولوجيا الحديثة  (الكويت : سلسلة عالم المعرفة ، 1982) ص54

(6)   See: http://vr.isdale.com ,previous source, access  date 18/9/2015

(7) ينظر: الحيالي, ميادة فهمي: الإدراك البصري للتصميم الداخلي ولصورته الافتراضية على الحاسوب ، رسالة ماجستير (غير منشورة ) جامعة بغداد ، كلية الفنون الجميلة ، 2001 ، ص60

(8) ينظر: لامرز, جيم ومايكل بيرسون: تعلم برنامج ( 3d studio max ) تر: مركز التعريب والترجمة, بيروت (الدار العربية للعلوم ) ط1 ،1996 ،ص9

(9) رواس ، عبد الفتاح : التقنيات في عمارة العرض المسرحي ، جريدة الأسبوع الأدبي ، العدد 97 ، دمشق مطابع وزارة الثقافة 20/8/2005

(10) ينظر: بيتزو, انطونيو: المسرح والعالم الرقمي الممثلون والمشهد والجمهور ، تر: أماني فوزي حبشي (القاهرة: الهيئة المصرية العامة  للكتاب,2009) ص23

 

 

 

اظهر المزيد

د. عماد هادي الخفاجي

د.عماد هادي عباس الخفاجي، أستاذ بجامعة بغداد كلية الفنون الجميلة/ قسم الفنون المسرحية، متخصص في تقنيات المسرح والإضاءة المسرحية. شارك في عدد من الأعمال المسرحية مصمما للديكور والإضاءة، ومديرا فنياً، على غرار: - علامة استفهام للمخرج الأستاذ الدكتور قاسم مؤنس. - الانكسار للمخرج الدكتور كريم عبود. - أغلب أعمال الأستاذ الدكتور عقيل مهدي يوسف له كتاب منشور بعنوان: التقنية الرقمية والبديل الضوئي في العرض المسرحي، منشورات مكتبة الفتح في بغداد – دار الكتب والوثائق، بغداد(2515)، سنة 2016. - حائز على: * البكالوريوس في الفنون المسرحية/ تمثيل من كلية الفنون الجميلة/ جامعة بغداد عام 1999. * الماجستير في الفنون المسرحية/ تقنيات – مناظر مسرحية من كلية الفنون الجميلة/جامعة بغداد عام 2005. * الدكتوراه في الفنون المسرحية بامتياز مع مرتبة الشرف/تقنيات- إضاءة مسرحية من كلية الفنون الجميلة/ جامعة بغداد عام 2016. - في رصيده مجموعة مهمة من المقالات المسرحية في المسرح والتقنيات المسرحية التقليدية والحديثة، منشورة بعدد من الصحف العراقية والعربية. - درّسَ عددا من المواد العلمية في القسم المذكور أعلاه في الدراسات العليا والدراسات الأولية ومنها( الإضاءة التقليدية، الإضاءة الرقمية، لجنة سيمنار للدراسات العليا و(المصطلحات المسرحية، المناظر المسرحية، الماكياج المسرحي،تقنيات مسرحية، إضاءة تقليدية) للدراسات الأولية وباللغة الانجليزية. - ناقش وقوّم علميا عددا مهما من رسائل الماجستير وأطاريح الدكتواره. والبحوث الخاصة بترقيات الأساتذة الجامعيين - شارك عضوا في لجان تحكيم عدد من المهرجانات المسرحية في العراق. - حصل على عدد من كتب الشكر والتقدير، والدروع والشهادات التقديرية من عمداء وكليات الفنون الجميلة بالعراق عن النشاطات الفنية والنظرية للبحوث العلمية. -عضو في عدة لجان في كلية الفنون الجميلة وقسم الفنون المسرحية ومنها (الإنتاج، اللجنة التحضيرية للمهرجان المسرحي السنوي، اللجنة الامتحانية، اللجنة التحضير للمؤتمر العلمي لكلية الفنون الجميلة وغيرها). - عمل مقرر قسم للفنون المسرحية. - عمل مقررا للدراسات العليا بقسم الفنون المسرحية. - عضو في نقابة الفنانين العراقيين. أنجز العديد من البحوث النظرية على غرار: 1- (تقنيات المنظر في المسرح الافتراضي) قدمه في المؤتمر القطري الثاني عشر المقام في كلية التربية الأساسية الجامعة المستنصرية عام 2010. 2- (خصائص المنظر خارج مسرح العلبة) نشره في مجلة كلية التربية الأساسية الجامعة المستنصرية عام 2011. 3- (تقنيات المنظر في المسرح الإغريقي القديم) قدمه ونشره في المؤتمر الدولي الثاني للفنون الجميلة في كلية الفنون الجميلة جامعة البصرة عام 2013. 4- (توظيف التقانة الافتراضية في سينوغرافيا العرض المسرحي): نشره في مجلة كلية التربية الأساسية الجامعة المستنصرية عام 2013. 5- (توظيف التكنولوجيا في تصميم المنظر المسرحي) نشره في مجلة كلية التربية الأساسية الجامعة المستنصرية عام 2013. 6- (إشكالية الفضاء المسرحي بين التقليد والمغايرة ) بحث مشترك، نشره في مجلة كلية التربية الأساسية الجامعة المستنصرية عام 2014. 7- (تقنية الواقع الافتراضي في تصميم الزي المسرحي): قدمه ونشره في المؤتمر العلمي الرابع عشر المقام في كلية الفنون الجميلة/ جامعة بغداد عام 2015.

مقالات ذات صلة

أكتب تعليقك هنا

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: