الرئيسيةمسرح

ما المقصود بالمسرح الرقمي!!

من المقلق والمريب معرفيا مجانية المصطلح الذي يتم تداوله دون استيلاده من مخاض معرفي عميق ليعكس واقع وعي مجتهد. ولكأن مجانية المصطلح في الاختلاق والاستخدام أشبه بدبكة مجانية، ومن تلك المصطلحات المقلقة والتي غالبا ما تؤطر بسفسطة لغوية وبدون تحديد إجرائي مصطلح المسرح الرقمي. وهو من الخطورة والاختلال بمكان يدفعنا للكتابة في محاولة تحديد تعريف إجرائي جامع مانع يوقف فوضى التداول العشوائي له.

لذا سنخوض في تحديدنا الإجرائي لوضع جملة فرضيات لمناقشة إثبات أو نفي لتلك الفرضيات، فنبدأ بتساؤل ما المسرح؟ وما هي العلاقة المسرحية؟ نجيب إن المسرح هو حفل جامع واحتفال بالجسد وهو جدل فكري، جدل ما بين واقع الافتراض القائم على الاحتمال الفني وشبكة الثقافة القرائية والتجارب الجمالية للمتلقي، ان ما على المسرح هو مفارقة في صورتها الأكثر حدة فما على المسرح من المستحيل ان يكون حقيقة وبنفس الوقت بأنه افتراض قائم على الاحتمال وبنفس الوقت ما على المسرح هو ما يتعلق بالإنسان محورا صراعيا في العالم بطموحه، ورؤاه، وهمومه، وأمانيه، ومخاوفه، ما على المسرح هو يتعلق بالإنسان حتما دون غيره وحيث إن الإنسان هو معيار كل شيء وهو جوهر حقيقة الحياة المعيشة فما على المسرح هو حقيقة بجوهرها وتلك المفارقة هي التي تجعل من المشاركة بالاحتفال المسرحي أو حفلة المسرح متعة سامية ولذة روحية فائقة عندما يتنافذ الإنسان ما بين فروض الاحتمال وحقائق الواقع والوجود فتمتلئ الذات الإنسانية بالكِبر الجمالي وهو أن تكون للحظات أسمى من واقعها.

وهو ما يسلمنا إلى التساؤل الثاني حول جوهر العلاقة المسرحية وطبيعتها الفاعلة، والتي نجتهد في إضاءة ملامحها الرئيسة، بأنها مراوحة ما بين عدم التصديق بأن ما على الخشبة حقيقة واقعة، وما بين تعليق عدم التصديق والإيمان للحظات بواقعية ما على المسرح. حيث إن ذلك المركب الجدلي ما بين عدم التصديق وبين الإيمان والتصديق، ينتهي الى مركب أعلى هو التخييل بوصفه تعاقدا جماليا ما بين الخشبة والمتفرج، قائما على دعوة – فلنتخيل- وهو افتراض ومتابعة لتحقق ذلك الافتراض تجريبيا، بغية استحصال المعطى المعرفي ليكون المسرح معرفة ممتعة، وجزءا من نشاط التحليل العقلي من خلال التركيب الجمالي.

إن هذين التصورين في تحديد ماهية النشاط المسرحي، يفرزان قيما مفهومية راسخة، هي الإنسان الكائن المادي العضوي البشري بحضوره، وما يتعلق به جوهر الممارسة الإبداعية في المسرح. وحينما يتم استخدام مصطلح المسرح الرقمي  بمثل هذه الضبابية والعشوائية في محاولة لاستيلاد واستنسال مصطلحات متعسفة، يكون الأمر أشبه بتفكيك ألواح السفينة وإحراقها في عرض البحر، في محاولة لخلق شعلة مضيئة من أجل التعرف إلى جهة المكان والتماس الطريق بالسفينة التي لن يبقى منها شيء مع فعل الاحتراق ذاك.

ما أريد قوله هو كيف يكون المسرح رقميا؟ وما المقصود بأن ينعت بالرقمي؟ نحن نعرف بأن الرقمية نظام رياضياتي قائم على الاحتمال الرياضي الذي ينتهي مثل متتالية عددية تنتهي بالتحديد بعينه وهو ما يتناقض مبدئيا مع المسرح الذي يقوم على الاحتمال الفني والذي ينتهي إلى متسلسة لا نهائية من الاحتمالات وليس إلى قيمة رياضية بعينها وهو ما يسقط طابع الإبداع عن أي نشاط رقمي يحل بديلا عن النشاط المسرحي الفني الإنساني هذا من جانب ومن جانب آخر إن الإنسان هو محور ذلك الفرض الجمالي بحضوريته الفيزيقية والفكرية فمن يقف على خشبة المسرح هو (هاملت أمير الدنمارك) بفيزيقيته وروحه وبذات الوقت هو (سير لورانس اوليفيه) الممثل بشخصيته وروحه ليتزاحمان معا ويتناوبان بالظهور والاختباء أشبه بلعبة طفولية للاختفاء والظهور، بينما لو فرضنا جدلا المسرح الرقمي والممثل الرقمي ممكن، هذا سيكون مرتبطا بالمعادلة الصفرية للثنائية الرقمية (0,1) التي تؤدي إلى حضور كلي لهاملت وغياب الإنسان المؤدي بما يفرزه من قيم إنسانية مصدرها روحه الواقعية الحية المبدعة فيبقى حاضرا على الخشبة بكل بؤس القطيعة كائن غريب بعيد لا واقعي لا طبيعي لا أنساني هو كائن فرانكشتايني غير بشري اسمه (هاملت), فالبعد الإنساني للشخصية المسرحية مصدره الفاعل البشري الإنساني للمؤدي, فلا تستطيع القدرات التخييلية للمتلقي التفاعل معه واحتواءه جماليا فيبقى مثل ظاهرة موجودة بقوة حضورها الآني مثل البرق، الرعد، الزلزال، خسوف القمر، كسوف الشمس بحيث لا نستطيع النظر لهذه الظواهر بنظرة مؤنسنة أو أن نتعاطف معها جماليا أو أن تنعطف الذات الجمالية للمتلقي عليها وان تحقق موضوعاته فيها..

لذا مما تقدم نستطيع أن نتوصل إلى تحديد إجرائي بضوء الإطار الجمالي للفن ومفهوم الإطار الإنساني للإبداع بأن المسرح الرقمي هو ليس مسرحا رقميا بمعنى الخلق بالمعادلة الصفرية ولكنه المسرح الذي يعتمد على معطيات التقنية الرقمية في بناء وسائط معالجته الفنية للإضاءة والمنظر والمؤثرات الصوتية بما يثري رؤية الإخراج جماليا وفنيا وبذلك يمكن تسميته مسرح التقنيات الرقمية تجنبا للخلط بالمفهوم والتماسا للتحديد المفهومي الأدق.

 

 

اظهر المزيد

د. عماد هادي الخفاجي

د.عماد هادي عباس الخفاجي، أستاذ بجامعة بغداد كلية الفنون الجميلة/ قسم الفنون المسرحية، متخصص في تقنيات المسرح والإضاءة المسرحية. شارك في عدد من الأعمال المسرحية مصمما للديكور والإضاءة، ومديرا فنياً، على غرار: - علامة استفهام للمخرج الأستاذ الدكتور قاسم مؤنس. - الانكسار للمخرج الدكتور كريم عبود. - أغلب أعمال الأستاذ الدكتور عقيل مهدي يوسف له كتاب منشور بعنوان: التقنية الرقمية والبديل الضوئي في العرض المسرحي، منشورات مكتبة الفتح في بغداد – دار الكتب والوثائق، بغداد(2515)، سنة 2016. - حائز على: * البكالوريوس في الفنون المسرحية/ تمثيل من كلية الفنون الجميلة/ جامعة بغداد عام 1999. * الماجستير في الفنون المسرحية/ تقنيات – مناظر مسرحية من كلية الفنون الجميلة/جامعة بغداد عام 2005. * الدكتوراه في الفنون المسرحية بامتياز مع مرتبة الشرف/تقنيات- إضاءة مسرحية من كلية الفنون الجميلة/ جامعة بغداد عام 2016. - في رصيده مجموعة مهمة من المقالات المسرحية في المسرح والتقنيات المسرحية التقليدية والحديثة، منشورة بعدد من الصحف العراقية والعربية. - درّسَ عددا من المواد العلمية في القسم المذكور أعلاه في الدراسات العليا والدراسات الأولية ومنها( الإضاءة التقليدية، الإضاءة الرقمية، لجنة سيمنار للدراسات العليا و(المصطلحات المسرحية، المناظر المسرحية، الماكياج المسرحي،تقنيات مسرحية، إضاءة تقليدية) للدراسات الأولية وباللغة الانجليزية. - ناقش وقوّم علميا عددا مهما من رسائل الماجستير وأطاريح الدكتواره. والبحوث الخاصة بترقيات الأساتذة الجامعيين - شارك عضوا في لجان تحكيم عدد من المهرجانات المسرحية في العراق. - حصل على عدد من كتب الشكر والتقدير، والدروع والشهادات التقديرية من عمداء وكليات الفنون الجميلة بالعراق عن النشاطات الفنية والنظرية للبحوث العلمية. -عضو في عدة لجان في كلية الفنون الجميلة وقسم الفنون المسرحية ومنها (الإنتاج، اللجنة التحضيرية للمهرجان المسرحي السنوي، اللجنة الامتحانية، اللجنة التحضير للمؤتمر العلمي لكلية الفنون الجميلة وغيرها). - عمل مقرر قسم للفنون المسرحية. - عمل مقررا للدراسات العليا بقسم الفنون المسرحية. - عضو في نقابة الفنانين العراقيين. أنجز العديد من البحوث النظرية على غرار: 1- (تقنيات المنظر في المسرح الافتراضي) قدمه في المؤتمر القطري الثاني عشر المقام في كلية التربية الأساسية الجامعة المستنصرية عام 2010. 2- (خصائص المنظر خارج مسرح العلبة) نشره في مجلة كلية التربية الأساسية الجامعة المستنصرية عام 2011. 3- (تقنيات المنظر في المسرح الإغريقي القديم) قدمه ونشره في المؤتمر الدولي الثاني للفنون الجميلة في كلية الفنون الجميلة جامعة البصرة عام 2013. 4- (توظيف التقانة الافتراضية في سينوغرافيا العرض المسرحي): نشره في مجلة كلية التربية الأساسية الجامعة المستنصرية عام 2013. 5- (توظيف التكنولوجيا في تصميم المنظر المسرحي) نشره في مجلة كلية التربية الأساسية الجامعة المستنصرية عام 2013. 6- (إشكالية الفضاء المسرحي بين التقليد والمغايرة ) بحث مشترك، نشره في مجلة كلية التربية الأساسية الجامعة المستنصرية عام 2014. 7- (تقنية الواقع الافتراضي في تصميم الزي المسرحي): قدمه ونشره في المؤتمر العلمي الرابع عشر المقام في كلية الفنون الجميلة/ جامعة بغداد عام 2015.

مقالات ذات صلة

أكتب تعليقك هنا

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: