مقالات وآراء

تقرير مفصّل عن أشغال المؤتمر الدولي الأول لقضايا البيداغوجيا والديدكتيك

إنجاز الأستاذ الطالب في سلك الدكتوراه محمد سمكان

نظم فريق البحث المدرسة وبدائل التعلم ÉcoAltA تحت شعار: “الدافعية داخلية المنشأ ورهانات التعليم والتعلم”، برحاب المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين/فرع القنيطرة بالمغرب، المؤتمر الدولي الأول لقضايا البيداغوجيا والديدكتيك يومي الثلاثاء 23 والأربعاء 24 أبريل 2019.

وقد شارك في هذه الفعاليات ثلّة من ذوي الاهتمام بشؤون البيداغوجيا والديدكتيك بالمغرب وخارجه. وارتكزت هذه الفعاليات على أربعة محاور/جلسات، منها ثلاثةٌ نظريةٌ عَرفت إلقاءَ مجموعة من المحاضرات والمداخلات والمطارحات العلمية والمناقشات الجادة لواقع التعليم بالمغرب، وهو واقع تتقاسمه معنا الكثير من الدول العربية، وأما المحور الرابعفكان تطبيقيا واستفاد منه الأساتذة المتدربون ذَوُو التخصص في اللغة العربية والفرنسية، والذين سيتخرجون نهاية هذا الموسم التكويني من المركز ذاته، من خلال ورشات تطبيقية عمليّة أطّرها مجموعة من المكوّنين التربويين.

وقد افتتحت جلسات المؤتمر باستقبال الوفود المشاركة، تلتْها الجلسة الافتتاحية التي تميزت بكلمات الشكر والترحيب بهذه الوفود كما تقتضيه أعراف التنظيم الأكاديمي. وقد يسَّر فقرات هذه الجلسة وربط بين المتدخلين فيها د.عبد الله لحميمة عضو الفريق المنظم للمؤتمر، والذي حرص على تسليم الكلمة بالتناوب بين د.حسن جباح مدير المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين الرئيس-العرفان بالرباط، والأستاذ المبرَّز سمير البردعي مدير فرع القنيطرة، لتختم الجلسة الافتتاحية بكلمة لفريق البحث المنظِّم للملتقى ممثَّلا في شخص منسقه الدكتورة الزُّهرة براهيم.

وقبل أن يفسح المجال أمام الجلسات المسطرة في جدول الأعمال، استمع الحاضرون إلى المحاضرة الافتتاحية للمؤتمر والتي ألقاها د.أحمد أوزي الخبير المغربي الدولي في شؤون التربية، وقد يسّر ونظم هذه الجلسة د.موسى فقير(المغرب).

ارتكز الأستاذ المحاضِر في هذه المحاضرة الافتتاحية الموسومة بــــ: “الأسس الذاتية والموضوعية للدافعية في مشارف الألفية الثالثة: الدافعية والانفعال وسيرورة التعلم”، على: القراءة الراهنة المُشخِّصة لواقع المدرسة العربية على العموم والمغربية على الخصوص، والتحديات والرهانات الواجب رِبحُها لتخطي هذه المرحلة العصيبة، ثم علاقة المحور الأساس وقطب رحى المؤتمر، وهو الدافعية داخلية المنشأ بالجانب النفسي- الانفعالي لدى المتعلمين،ثم دورهما في الإسهام في رفع هذا التحدي.

وهكذا أشار المحاضر إلى التغيرات والسيرورات الدولية التي تفرض على المُخطِّطين ملاءمة تعليمهم مع هذه المتغيّرات، لينتقل، من ثمة، إلى محاولة الإجابة عن سؤال: إلى أين يسير تعليمنا اليوم في ظل هذه الظروف المحرجة؟ وكان من مُدخلات الإجابة عن السؤال السالف، الإشارة إلى تقرير لجنة اليونسكو الذي يدق ناقوس الخطر، والقاضي بأنه إلى حدود 2030 إذا لم يحدث تغيير في مناهجنا التعليمية، فسيسير تعليمنا نحو الأسوأ، ثم تطرق، أيضا، إلى تقرير التنمية في العالم للسنة الفارطة والذي يصدره البنك الدولي، هذا التقرير الذي أكد أن أزمة التعليم لدينا، نحن العرب، أزمة أخلاقية. ومن ثم جدّد الدعوة إلى الاستثمار في التعليم والصحة والاستعانة بالتكنولوجيا، خاصة، في هذين القطبين الحيويَّيْن.

وذكَر، استنادا إلى هذه الإحصاءات، أن 65% من الأطفال الملتحقين بالتعليم الابتدائي سينتهي بهم المطاف إلى تعلم وظائف “ستنقرض” في المستقبل القريب، وبالتالي سيكونون عالة على مجتمعاتهم للأسباب التي ذكرتْها المنظماتُ والهيئات الدولية، ولأسباب ذاتية في مُقدَّمها سوء التوجيه وعدم ملاءمة المدرسة مع متطلبات سوق الشغل.

ومما يزيد في تكريس هذه الصعوبات أن الأنظمة التعليمية السائدة في بلداننا العربية، إلى اليوم، قد تم تطويرها في العصر الصناعي الأول؛ أي قبل 200 سنة خلت، وخلُص إلى أن مناهج التعليم التقليدية لا تزوّد المتعلمين، اليوم، بالتعلّمات المناسبة لروح العصر.

ونبَّه على أن مِن بين السبل التي تمكِّن من خوض التحديات الراهنة واستشراف المستقبليّة الانخراطُ في ركب “الذكاء الاصطناعي”، هذا الذكاء الذي قد يتحول إلى حرب مع الآلة، التي لا تنقصها إلا الانفعالات والأحاسيس وهو ما يحرمها صفة “الإنسانية”. كما نبَّه على أن إنجاح أيّ مشروع، لا يجب أن نعتمد فيه على “المهارات المعرفية” لوحدها؛ بل يجب التعويل بشكل أكبر على “المهارات اللامادية أو الحياتية”  (soft skills)بالنسب الآتية:

المشروع الناجح = المهارات المعرفية 20% + المهارات الحياتية 80%.

بعد ذلك، انتقل المحاضر إلى مساءلة سؤال: هل ما تقدمه المدرسة العربية، عموما، والمغربية، على الخصوص، يحقق الاندماج في التنمية؟ في ظل الإحصاءات العلمية التي تتوقع أنه في العام 2020 ستتضاعف كمية المعرفة كل 11 أو 12 ساعة، وسترتفع كمية البيانات بنسبة 40% في العام 2025؛ أي ستصل إلى 180 ZB (زيتا بايت، وهي وحدة قياس ذاكرة الحاسوب وتترجم على هذا الشكل 180.000.000.000.000.000.000.000).

ولم يبخس المحاضر الطرائق التربوية التقليدية حقها، على أساس أن تتم  العودة إليها وتحيينها والعمل على جعلها “ملائمة ومنسجمة ومتكاملة” مع الروح الآنية والمستقبلية. وقد مثَّل المحاضر لإبراز بُعد الهوة بين راهننا وحاضر الأمم المتقدمة في مجال التعليم، برَجلين: طبيب جرّاح ومعلّم توفيا منذ 100 سنة خلت، فإذا قدّر الله وأعادهما إلى الحياة؛ فإن الأول لن يقدر على ممارسة عمله، اليوم، في ظل القفزة العلمية للعلوم، في حين لن يجد الثاني أدنى صعوبة في الاندماج من جديد في عمله؛ لأن طرقنا في التدريس لا تزال على حالها.

وبالخلوص إلى “الدافعية داخلية المنشأ” في علاقتها بما سبق تقديمه وبما يعيشه حاضرنا، شدد المحاضر على وجوب التفلّت من عِقال تقديم الدروس بطرق جافة؛ لأن الأساس، اليوم، هو التركيز على “التشويق والإثارة” مع إشعار التلميذ بأهمية المادة التي يَدرسها وربطها بالواقع المعاش، من خلال حسن اختيار “الوضعيات الديدكتيكية المناسبة” وكذلك “الوضعيات التقويمية المناسبة” التي لا تخاطب في “التلميذ الراهن” ذاكرته فقط؛ بل مكنوناته الإبداعية وقدراته المهارية. وهو ما سيحفزه على التعلم ليس استعدادا للامتحان بدرجة أُولى ولكن رغبة في المعرفة وتعلّم التعلمات.

إن العمل على إثارة الدافعية داخلية المنشأ لدى المتعلمين يمر عبر بوابة تناول الموضوعات وتقديم “المعلومات الحية” التي تحقق الإمتاع واللذة وتشبع الجانب العاطفي- الانفعالي لديهم، وتعمل على إثارته أو تعزيز هذه الإثارة.

ولتحقيق هذه الأهداف لفتَ المحاضر إلى وجوب الاستفادة من الدراسات والنتائج التي يقدمها كل من “علم الانفعالات” (sciences émotionnelles)و”علم الأعصاب” neuro-sciences)) وهي العلوم التي تركز بشكل أكبر على كيفية اشتغال الخلايا الدماغية من خلال فحصها بالــ(IRM)، كما ذكر بدور الانفعال وإجابيته في تعزيز سيرورة التعلمات؛ ما دمنا نُعرِّف الإنسان بأنه “كائن راغب” و”كائن انفعاليّ” نزولا عند من يعتقد أن “الانفعال يسبق التفكير والفهم والإدراك”، وتبعا لهذا الانفعال السائد في الفصل، تتم عملية التعليم والتعلم؛ إذ لا تتفاعل مادة (الدوبامين) في الدماغ؛ إلا إذا تم تحفيز وتشجيع وتعزيز التعلم لدى المتعلمين، فصعود الطفل، مثلا، تلاًّ، يشبه صعود البالغ جبلا، ومن ثم لا يجب التقليل مما يقدمه المتعلمون؛ بل الأَوْلى تثمينه وتعزيزه أو تقييمه في أفق تقويمه وتصويبه.

ولهذا ثمّن كل البحوث الأكاديمية والتدخّلية التي تُبئّر دور الانفعالات والعواطف في تكريس التعلمات، غير أنه،في الواقع والميدان، لا تتم الاستفادة منها وتوظيفها وإدماجها في الحياة التربوية. مشيرا إلى أن (غارنر) يعتبر أن الذكاء الاجتماعيّ- التفاعليّ مع الآخر كفاية أساسية ودعامة مهمة لولوج الألفية الثالثة، كما أن (كولمان) يعتبر الذكاء الانفعاليّ عاملا للنجاح وليست المهارة، وحدها،المُسهمة فيه بمعزل عنه. ووجّه المحاضر المهتمين إلى التركيز على “الاشتغال ضمن الفريق”(travail en équipe) باعتباره آلية جماعية تحقّق هذا التفاعل المنشود.

ومن المفارقات الطريفة والمزعجة في الآن نفسه، أن المغرب يتموقع في المرتبة الخامسة(5) عالميا في الإنفاق على التعليم، بينما يحتل الدرجة الرابعة بعد التسعين(94) من بين أربع وثلاثين دولة بعد المائة(134)؛ أي بالتقهقر درجة إلى الوراء في الإحصاء العالميّ الأخير في مجال “تجويد التعليم”. ومقارنة مع فرنسا؛ فالوضع الحالي الذي نعيشه في الراهن، كانت تعيشه فرنسا سنة 1950؛ أي: نحن متخلّفون عن الركب بحوالي سبعين (70) سنة، ومن ثَمّ فالمشاكل الرائجة، اليوم، والاهتمامات في العالم المتخلّف ليست هي الاهتمامات عينها في الدول المتقدمة؛ لأنه في حين نبحث نحن عن بيداغوجيات مناسبة لترسيخ التعلّمات يبحث العالم المتقدم عن ترسيخ تعلم (تعلّم التعلّم).

ختم د.أحمد أوزي محاضرته الافتتاحية هاته باقتباس من مؤلف “صدمة المستقبل”(futur choc): “إن الأميين لن يكونوا أولئك الذين لا يعرفون القراءة والكتابة، ولكن أولئك الذين لا يستطيعون التعلم، أو التخلي عن ما تعلموا لصالح تعلمات جديدة، أو لا يستطيعون إعادة التعلم.”

وفي تعليقه على الأسئلة والتعقيبات والاستفسارات المرتبطة بمحاضرته الافتتاحية، ركز المحاضر على الإجابة عن سؤال: ما هو مشروعنا المجتمعيّ؟ حيث أكد المحاضر أن هذا المشروع يجب أن يمر عبر بوابة تعويد المتعلم المغربي على “الفكر النقدي”، واعتبرها “كفاية” يجب الاشتغال عليها وتنميتها لدى المتعلمين، كما أن محصول المغرب من هذه الكفاية لا يتعدى 2،2 درجة ويتموقع بعد موريتانيا، كما ركز على الفروق بين مصطلحي: “المعلومة”(information)، و”المعرفة”(savoir)، و”المعارف”(connaissances)وأن التلميذ، لا يبلغ درجة “المعرفة”؛ إلا إذا ناقش وانتقد وبنى “المعرفة المشتركة”.

وعدّد من بين “المعيقات المِنهاجية” في المدرسة المغربية اعتمادها على (الذكاء اللغوي)؛ أي: ما هو سردي(narratif)، فقط، وهو إجراء غير فعّال؛ لأن التلميذ مُطالب بأن يُسهم في بناء وإنتاج المعرفة وليس، فقط، استهلاكها، خاصة، في ظل تراجع سلطة المعلّم المعرفية لصالح “تنشيط الدرس” نزولا عند التوجيهات الرسمية، وتنامي، بالمقابل، بناء “المعرفة التشاركية” التي ترتكز على أداء المتعلمين و”قدرتهم البنائية”.

وانتقد المحاضر ما دعاه “الفكر الكبْشي” (عقلية القطيع)؛ لأن المدرسة المغربية في حاجة ملحة إلى “إعادة قراءة الذات”، وبناء تصورات أكثر حداثة تمسّ مقرراتها الدراسية ومِنهاجها، ومناهجها التعليمية، وطرق التدريس، والانتباه إلى الفاعلين في الفصول معلّمين ومتعلمين وتجسير العلاقات الإنسانية وتعزيز الثقة بينهما، خاصة، في فضاء المدرسة العموميّة.

جلسات المؤتمر في اليوم الأول، الثلاثاء 23 أبريل 2019:

الجلسة الأولى:

المداخلة الأولى:

خصصت الجلسة الصباحية الأولى لإلقاء ومناقشة المداخلات التي تندرج ضمن محور:  “بناء الدافعية داخلية المنشأ في ضوء مدرسة القرن الواحد والعشرين (البيداغوجيات الحديثة/استراتيجيات تأهيل المدرسين/ التعاقد بين المدرسة والأسرة)”، وقد يسر مجريات هذه الجلسة وربط بين المتدخلين ونظّم زمنها د.فيصل أبو الطفيل (المغرب).

قصّ شريط البداية د.أحمد العمش (المغرب) في مداخلة بعنوان: “سؤال بناء الدافعية داخلية المنشأ في المدرسة الراهنة”،حيث ابتدأ بالتذكير بالتحديات الراهنة، وأن “الثورات الفكرية” في الغرب هي التي أنتجت “الثورات الصناعية”، وتناول بهذا الصدد دعوة (إليش) إلى “مجتمع بلا مدارس”، وهي دعوة لا تلغي المدرسة بقدر ما تدعو إلى مراجعة موقفنا تجاه المدرسة بسبب الإنفاق المتزايد على التعليم في المغرب مقابل محصّلة تقنية متهلهلةوجوْدة هزيلة.

كما تطرق إلى ظاهرة “الهدر المدرسي” في تجلياته الثلاثة: التسرّب، عدم الانقطاع، الفصل، ونبّه على أن هذه الظاهرة تطال العالم برمته بما فيه “المتقدم”، لكن مع اختلاف أسبابها، وتداعياتها، وسبل معالجتها والوقاية منها بيننا وبين العالم المتقدم، ومن ثَمّ أصبحت الدعوة ملحة إلى “إعادة النظر في المناهج الدراسية من حين لآخر”، لأن المدرسة المغربية صارت لا تكرس إلا مجموعة من الثنائيات المتنافرة: مجتهد/كسول، مدرسة محافظة/منفتحة، منهاج دراسي منتج/عقيم…

دعا الأستاذ الباحث إلى القفز على مبدأ “التعلم” لصالح “تعلم التعلم”؛ أي: يتعلم المتعلم كيف يتعلم، مع إسهام وانخراط المتعلم في هذه العملية من خلال توظيفه لاستراتيجياته وخطاطاته الذهنية لتحقيق التعلمات. وبيّن المحاضر أن “الحافز”هو غيرُ”الدافعية”؛ فإذا كان الأول قوةً خارجية تحفز التلميذ إلى التعلمات، فإن “الدافعية” قوة كامنة في نفس التلميذ تحركه من الداخل، واستدل على ذلك بــ”نظرية الإجراء الاستيجابي” لـــ(بافلوف)، و”نظرية الإشراط الإجرائي” لــ(سكينر). كما ثمن هذه “الدافعية” ودعا إلى المراهنة عليها لتحقيق نهضة تعليمية أكثر ناجعة ما دامت البيداغوجيات السابقة (الإدماج- الأهداف- الكفايات- الملكات) لم تثمر بما فيه الكفاية نهضة حقيقية في بلدنا، وذكّر بسياسات “التقويم والهيكلة” التي بوشرت بالمغرب منذ العقد الثامن من القرن الماضي (1983).

وسطر المحاضر على مجموعة من العوائق التي تعرقل بناء الدافعية داخلية المنشأ في المغرب، وفي مقدمها تنامي حقوق الإنسان ومن ضمنها حقوق الطفل؛إذ لم يعد التعلم امتيازا كما كان يُنظر إليه سابقا؛ بل حقًّا من حقوق الطفل بصرف النظر عن طبيعة التعلمات والأهداف المنشودة منها، ومن بين العوائق، أيضا، تطور الأبحاث السيكو-بيداغوجية، والسوسيو- تربوية، التي جرّدت المدرّس من “الحصانة التربوية والعلمية”؛ لأن هذه الدراسات أثبتت أن عدم التحصيل قد لا يكون راجعا إلى التلميذ وحده، بل قد يكون سببه، أيضا، المدرس. أضف إلى ذلك “التحولات العنيفة والمتسارعة الناجمة عن التقدم العلمي الكبير والثورة المعلوماتية المبهرة”.

باشر المحاضر مداخلته بالانتقال إلى الدعامة الأساسية الثانية، وهي “المدرسة بين الحاجيات والدوافع داخلية المنشأ”، وفي مُقدَّمها “التطور التكنولوجي” و”تراجع الدوافع أمام تزايد الحاجيات”، وفي الدعامة الثالثة تناول “الدوافع الأساسية للمتعلم وخصائص السلوك التحفيزي”، وذكر من بين هذه السلوكات: “سلوكات التعاون”، “سلوكات الاستمرارية”، “سلوكات المجهودات الإضافية”، “سلوكات الرضى والارتياح”، “سلوكاتالاستقبال”، “سلوكات تنمية الكفايات الذاتية”… وخَلُص المحاضر إلى أنه يجب طمْرُالهوة بين “أولويّة المردوديّة” و”تزايد نسبة الهدر المدرسي”.

المداخلة الثانية:

استؤنفت الجلسة الأولى بالمداخلة الثانية لـ ـذة.حفيظة مبروك(المغرب) في موضوع: “بناء الدافعية داخلية المنشأ لدى المتعلم تعاقد أساس بين المدرسة والأسرة”؛ إذ أشارت الباحثة إلى أن التعلم ظاهرة مركَّبة تستدعي من الفاعلين التربويين تذليل العقبات أمام المتعلم، كما أن الأسرة تعمل على تهيئالطفل ليكون متعلما ميسَّرا للقيام بدوره المجتمعيّ المُوازي للمدرسة.

ونبهت على أن دافعية التعلم تستمر مع الإنسان مدى الحياة وليست مرهونة بظرف زمني محدود. وطرحت الباحثة السؤال الإشكالي الذي تدور حوله مداخلتها، وهو: ما شكل التعاقد الذي يربط المدرسة بالأسرة من أجل خلق دافعية داخلية المنشأ لدى المتعلم؟ وهو سؤال يستوجب الإجابة عن مجموعة من الأسئلة ذات الارتباط الوثيق به، وهي: ما الدافعية، وما وظائفها، وأنواعها، ومؤشرات تحقيقها؟ ما أثر العلاقة بين الأسرة والمدرسة على التحصيل الدراسي للمتعلم؟ وهي الأسئلة التي ناقشتها في مداخلتها. ونركز فيها على المؤشرات، على اعتبار أن هناك الكثير من المشتركات بين المداخلات، خاصة، ما يتعلق منها بمفهوم “الدافعية داخلية المنشأ”، فمن بين المؤشرات ذكرت الباحثة: “الانخراط المعرفي”، “إيجاد المعلومة في جو من الثقة والطمأنينة”، “القدرة على اكتساب الاستراتيجيات لضبط التحكم الذاتي”، “استراتيجية التعقل المعرفي”، “الاستراتيجيات المعرفية”، “الاستراتيجيات الوجدانية”، “استراتيجيات التدبير”…

وأما في ما يخص التعاقد بين الأسرة والمدرسة في محاولة إخراج الدافعية داخلية المنشأ من مكنونها، ركزت الباحثة على تعريف “التعاقد” بأنه “تفاوض بين طرفين يعترفان فيه بموضوع التعاقد ويبذلان جهدهمالتحقيقه”،  في حين حددت مجالات التعاون بين المدرسة والأسرة في: “التعاون من أجل تحقيق الأهداف التعليمية”، “التعاون من أجل بناء شخصية المتعلم”، وحددت مظاهر هذا التعاون في: “المرافقة المنهجية” و”دعم ومواكبة المشاريع التربوية”.

وخلصت الباحثة في ختام مداخلتها إلى أن ورقتها هاته، هي محاولة جادة في تبئير مجالات التعاون بين المكونين والفاعلين الأساسين في العملية التعليمية، ألا وهما: الأسرة والمدرسة، كما أسهمت في التنبيه على أشكال هذا التعاقد.

المداخلة الثالثة:

تناولت المداخلة الثالثة، وهي من إنجاز د.التهامي الحايني (المغرب)، موضوعا بعنوان: “الازدواجية اللغوية وأشكال بناء دافعية تعلم الفصحى لدى التلميذ الناطق بالعربية المغربية”[اللهجة الدارجة، أو العامّيّة المغربية].

نبه الباحث على أن موضوعه يندرج ضمن “اللسانيات التطبيقية” التي تهتم بالوعي بالمشاكل التطبيقية في ميدان تدريس اللغات، وتحليل هذه المشاكل، في أفق إيجاد الحلول المناسبة. وقد تمحورت إشكالية البحث حول التأثيرات التي ترافق تعلم اللغة الفصحى، وهي تأثيرات ترتبط بالبيئة اللغوية التي ينشأ فيها المتعلمون، والتي تنعكس على طبيعة التراكيب اللغوية التي ينتجونها، وهي تراكيب تخضع، في الغالب، لتأثيرات لغتهم الأم (العاميّة).

وتتمظهر هذه التأثيرات في: “لجوء المتعلم إلى توظيف جزء من لغته الأم”، كما أن هيمنة العربية المغربية عليه تدفعه إلى اجتناب بعض القواعد اللغوية لصالح أخرى مطابقة للغته الأم مما يعيق التواصل بالفصحى بالطريقة المأمولة.

وبالإضافة إلى هذين التمظهرين اللذين يمثلان في الآن نفسه عوائق أمام انسيابية الفصحى واستضمارها، وبناء الدافعية داخلية المنشأ في هذا المستوى اللغوي، نبه الباحث على عوائق أخرى، منها: وضع اللغة العربية الفصحى تجاه اللغة الفرنسية، والتعلم بدل الاكتساب، من خلال نظرية (كراشن) التي أدخل عليها الأخير مجموعة من التعديلات، منها: “فرضية الاكتساب/ التعلم”، “فرضية المراقب”، ومن بين المعيقات الأخرى عدّد الباحث: تعلم الفصحى في سن متأخرة، هيمنة اللغة البيئية، التسرب اللغوي، الازدواجية في اللغة بين المجتمع/ الأسرة/ المدرسة، التحويلات الصوتية والمعجمية.

وخلص الباحث إلى أن المتعلم المغربيّ يعرف نسق “المعرفة المكتسبة” أكثر من معرفته “المعرفة المتعلَّمة”، ومن ثم يغلب على إنجازه اللغوي ما هو “مكتسب” أكثر من ما هو “تعلّمي”؛ لارتباط الأول ارتباطا وثيقا بالمعرفة الآلية واللاواعية من جهة، ولعدم حاجته ضمن النسق اللغوي المكتسب إلى النحو المرجعيّ المستضمر عادة أو للغة الواصفة، مما يدفع به إلى إسقاط خصائص اللغة الأم على الفصحى لِيُكَوْثِر بذلك أخطاءه التي تكرس التداخل بين ما هو عاميّ مغربيّ وما هو عربيّ فصيح.

المداخلة الرابعة:

وهي مسك ختام الجلسة الصباحية الأولى، والتي كُلّلت بمداخلة بعنوان: “القراءة المنهجية للنصوص بسلك الثانوي التأهيلي: الأنشطة المندمجة مدخلا ديدكتيكيا” للأستاذ المبرَّز عبد الرزاق المصباحي (المغرب).

انطلق الباحث في مداخلته هاته من ضرورة تغيير بعض “التمثلاتالمُكَلَّسة” في بعض الذهنيات التي تعتبر التمثلات “حقائق مطلقة”، ومن بينها “تغليب المنظور الإداري الصِّرف في تقييم عمل المدرس برمته”، ويترجم هذا الحكم من خلال تركيز الإدارة التربوية على احترام تواريخ المقرر الوزاري. وهي خطوة تنظيمية لا تنكر، غير أنها تُهمل الجوانب الديدكتيكية والبيداغوجية والتربوية التي تنص عليها التوجيهات والبرامج التربوية.

ويعتقد الباحث أن تحقيق بدائل في المدرسة المغربية يمر عبر رهان تغيير التمثل القائم على تغليب المنظور الإداري، الذي يصطلحعلى نقط “منظومة مسار” بالأنشطة المندمجة” والحال أنها “أنشطة فصلية” وليست “مندمجة”. ويجمع بين النشاطين نظام “التكامل”؛ بحيث تُسنِد “الفصليّةُ” التي تخضع لنظام “التعاقد الديدكتيكي” والتقويم… “الأنشطةَ المندمجةَ” التي تتحرر من التقويم وحتى من فضاء الفصل؛ بل هي غير مقترنة بثنائية العقاب والثواب، كما تفسح المجال أمام عدة متدخلين، مما يؤهلها إلى أن تكون سببا مباشرا في تحقيق الدافعية داخلية المنشأ؛ لأنها تحقق مبدأ اللذة والحرية والرغبة في التعلمات، وهو الجانب النفسي المستهدف من إثارتها.

وفي علاقة “الأنشطة المندمجة” بمداخل المنهاج، يعتقد الباحث أنها ينبغي أن تخدم المنهاج، من خلال قابليتها لأنْ تكون امتدادا للأنشطة الفصلية، وتنظمها علاقة متكاملة. ودعا الباحث إلى تخطي سقف الرهان المتغيا من هذه الأنشطة والمحصور، عادة بالنسبة للقراءة المنهجية للنصوص، في إعداد المتعلم لاجتياز الامتحان الوطني بالنسبة للمتعلمين في مستوى الثانية باكلوريا/أدب وعلوم إنسانية، واستهداف، بدل ذلك، “الغاية التكوينية” التي تروم تحقيق الكفاية الاستراتيجية.

تطرق الباحث إلى المعيقات التي تَحُول دون العمل على هذه الأنشطة الفصلية، وهي عوائق إدارية تتمثل في المذكرات الوزارية، والالتزام بالمقررات الدراسية، على الرغم من عدم إلزاميتها للمدرس، أضف إلى ذلك الزمن الديدكتيكي للمجزوءات والوحدات والدروس، دون تناسي الهمّ الذي يسكن المدرس والمتمثل في إنهاء المقرر في الزمن المحدد، وعليه يرى الباحث ضرورة التكامل بين بناء الدافعية داخلية المنشأ وبين مدخليْ”التربية على الاختيار” و”التربية على القيم”.

إن “الأنشطة الفصلية” دعامة أساسية لتثبيت الفكر النقدي المنهجي في نفسية التلميذ، من خلال العمل على تنمية روح التنافسية والإنتاجية اللتين تظلان أقل حضورا بسبب “المقبرة الثابتة” التي تعزز تفوق بعض التلاميذ المتفوقين وتَفُتُّ من عضد الحاصلين على النقط الضعيفة.

ويقترح الباحث، في محاولة لإنجاح استثمار الأنشطة المندمجة من أجل بناء المفاهيم وأجرأتها، أن تتم: “مأسسة” هذه الأشطة داخل المؤسسات التربوية من خلال واجهة النوادي الثقافية، بالإضافة إلى “الإعداد” النفسي للمتعلمين وجعلهم ينخرطون تلقائيا في الورشات التربوية، ثم “التدرج” من خلال تدريب المتعلمين على قراءة النصوص داخل حاضنة النادي الثقافي، مع مراعاة “اختيار المتدخلين” بناء على طريقة أدائهم في التدريبات، ثم اللجوء إلى “تثمين” هذه الجهود بتشجيع أعضاء النادي والفاعلين في النشاط المندمج.

وخلص الأستاذ المصباحي إلى أن “عرضه الديدكتيتي” هذا، والمتعلق بالقراءة المنهجية للنصوص، هو ذو “طبيعة مستعرضة”؛ إذ يمكن تطبيقه، أيضا، على درس المؤلفات، ودرس التعبير والإنشاء. كما يمكن تطبيقه على اللغات الأجنبية المتعاركة في “الساحة اللغوية” بالمدرسة المغربية.

ثم رفعت الجلسة الأولى بعد مناقشة الأفكار والمقترحات التي تقدم بها الباحثون، وبعد مجموعة من المطارحات والمذاكرات حول مواضيع المداخلات الأربع، وكانت مداخلات رصينة ووازنة أثْرت الورقات العلمية التي تقدم بها الباحثون.

الجلسة الثانية:

المداخلة الأولى:

استؤنفت الفترة المسائية بالجلسة الثانية التي تمحورت حول موضوع: “قراءة نقدية في الكتاب المدرسي باعتباره رافعة لبناء الدافعية: الواقع والبدائل”، وقد يسر فقرات ومداخلات هذه الجلسة العلمية ذ.مصطفى الكليتي (المغرب) الذي سلم سيف الكلمة إلى د.التادلي الزاوي (المغرب) ليقدم مداخلته الموسومة بـــ: “أيّ دور للكتاب المدرسي في بناء دافعية التعلم: مكون النصوص،المقرر الدراسي “واحة اللغة العربية” للسنة الثانية من سلك الباكلوريا أنموذجا”. وافتتح الباحث موضوعه بالسؤال/الإشكال: لماذا الاهتمام بالدافعية داخلية المنشأ؟ ليخلص إلى أنها موضوع يُهِمُّ البحث عن ما يجعل المتعلمين أكثر إقبالا على التعلمات، هذا الإقبال الذي عرف تراجعا مهولا لأسباب ذاتية وموضوعية، ومن ثم وجب اللجوء إلى استثارة هذه الدافعية التي تنبني على مقومين: الأول دينامي، والثاني “تخطيطي تدبيري” يهتم بالتوجه نحو أهداف مخطط لها سلفا.

قد تنقطع الدافعية، بحسب الباحث، مع نهاية الثانية باكلوريا، مما يقطّع أوصال العلاقة الإبستيمية بين المستوى الثانوي والمستوى الجامعي، واعتبر المحاضر أن المقرَّر الدراسي الذي اشتغل عليه يُغَيّب فيه الاهتمام بـــ”الجماليات” بمختلف تجلياتها اللغوية والتخييلية والإيقاعية والأسلوبية… وأنه من أجل إذكاء دوافع التعلم لدى المتعلمين يجب الربط بين النص الأدبي وتجارب المتعلم، كما يجب الإعلان عن أهداف التعلم وإشراك المتعلم وتشويقه إلى التعلمات من خلال عرض الدروس في “قالب إشكالي”، مع مراعاة عنصر “الملاءمة” بين الدرس وبين المستوى الوجداني- الانفعالي للمتعلمين ومثّل لذلك بوجود نصوصصعبة المراس في هذا المستوى، وفي مُقدَّمها نصوص للسياب، وأدونيس، ويوسف الخال وعبد المعطي حجازي وغيرهم من أعلام الشعر الحديث، ناهيك عن النصوص النقدية والمناهج الأدبية، وبذلك يفقد المتعلم حافزا مهمّا للدافعية لديه في القراءة المنهجية لهذه النصوص مع تفاوت مستواه مع مستوى ما يُقدَّم له من تعلمات، فتَتَولَّد لديه آثار سلبية، منها: عدم مشاركة التلميذ في بناء التعلمات، بسبب ضعف النضج الاجتماعي والعاطفي لديه، مع ضعف الحرية أو غيابها مما يجعله غير قادر على الانخراط في قراءة النصوص وتحليلها، وحتى إذا تمكن من التجاوب مع “التوجيهات” والاستجابة “للأهداف الإجرائية” و”التعليمات” فإن ذلك يتم باعتبارها جسرا للعبور نحو التقويم: فروض، مراقبة مستمرة، امتحان وطني…

وخلص الباحث إلى أنه في غياب الدافعية داخلية المنشأ لدى المتعلمين، وعدم “الملاءمة” بين المادة المُدرَّسة والمستوى العاطفي لديهم، يتحمل المعلم أعباء تذليل هذه الصعوبات والاجتهاد في استثارة الدافعية لدى تلاميذه وإبداع وسائل تكون بديلا استراتيجيا يجمع بين كل هذه الأشياء المفقودة في الكتاب المدرسي.

المداخلة الثانية:

تسلمت الكلمة في هذه المداخلة دة.الزهرة براهيم (المغرب) لتقدم ورقتها العلمية بعنوان: “نحو بدائل حيوية لتدريس المؤلفات بسلك الثانوي: من تشخيص العثرات إلى صياغة مخطط تجريبي”.

تدور إشكالية بحثها حول تعثر درس المؤلفات في بناء كفايات التعلم، ومن ثم وجب البحث عن أيّ المخططات الكفيلة،من بين أخرى، لتفعيل الرغبة لدى المتعلمين من أجل تحصيل المعرفة والإبداع الخلّاق. ومن أهم ما ورد في مداخلة الباحثة: تشخيص العثرات في درس المؤلفات في ضوء بيداغوجيا الكفايات، وهي عثرات تتعلق، أولا، بـــ”الحصيص التنقيطي” لهذا المكون ضمن التقويمات، وهو حصيص ضعيف مقارنة إلى درس النصوص، أضف إلى ذلك العديد من “التعثرات المنهجية” التي تتجلى في تركيز المدرسين على “التعليمات” التي تكتفي بمطالبة المتعلمين بتلخيص فصول المؤلَّف، مما يبعد المدرس والمتعلم على السواء عن ميدان التحليل الفعلي الذي تضطلع به “القراءة التحليلية” لنص المؤلفات والتي تؤطرها “التوجيهات الرسمية”.

وأما المحور الثاني من مداخلة المحاضِرة فتركز حول “البحث عن مرتبطيات(connéctivités) في ضوء رهان قراءة مستمر”، ذكَّرت فيه الباحثة بالدور الأساس الذي اضطلعت به “القراءة الحرة” في تدريب الأجيال الماضية، إلى نهاية السبعينات من القرن الماضي، على القراءة وتعويدهم عليها، بالإضافة إلى “المكتبات المدرسية” التي كانت منتشرة في المؤسسات التعليمية.

وحدّدت الباحثة “المرتبطيات” بأنها: مجموع الأنشطة القرائية التي يجب أن يقترحها المعلم على تلاميذه ليقوموا بها خلال العطلة الصيفية تحضيرا لهم وتهييئا للموسم الدراسي المقبل، مع وجوب تمتّع هذه الأنشطة بعناصر: الذكاء، المتعة، اللذة، الملاءمة.

وتتغيا هذه “المرتبطيات” تعويد المتعلمين على “القراءة المسترسلة في الزمن” مع الانتباه إلى وجوب توافقها مع مستواهم المعرفيّ والنفسيّ.كما شددت الباحثة على دور فضاء دُورِ الثقافة في القيام بأدواره التربوية ضمن “الشراكات التربوية” بين المدرسة ووزارة الثقافة و”مؤسسات الجهوية الموسعة”. وتقترح، ضمن هذا الإطار، عقد لقاءات بين المتعلمين وبين الفاعلين في حقول الأدب، والشعر، والمسرح، والسينما، والنقد المتعلّق بهذه الحقول المعرفية.

وفي ظل النتائج الهزيلة التي يحصل عليها التلاميذ سواء في ما يخص المعدلات، أو في ما يخص الطريقة المنهجية التي تدرَّس بها المؤلفات، والتي تبقى محطَّ جدلٍ في ظل إكراه الغلاف الزمنيّ الأسبوعيّ المخصص لهذه المادة، اقترحت الباحثة تفعيل ثلاث ورشات/محطات، مع تحديد الزمن والطريقة والمتدخلين وفضاء القراءة: تتمثل الأولى في “ورش القراءة الحرة في العطلة الصيفية”، ثم الثانية: “القراءة الموسمية”، والأخيرة: “ورشة الكتابة السردية الإبداعية”، وكل هذه الورشات تروم تدعيم دراسة المؤلَّف باعتماد الدافعية داخلية المنشأ في بناء التعلمات.

وخلصت الباحثة إلى اقتراح مجموعة من الإجراءات التي تثير أو تحفز الدافعية لدى المعلم والمتعلم على السواء، ومنها: وجوب تحرر المدرسين من التوجيهات الرسمية، وابتكار طرق واستراتيجيات تستقطب المتعلمين، كما تفرض على المدرس استحضار مختلف البيداغوجيات الدينامية لتنشيط الدرس، واستثمار طريقة “الصف المعكوس”(classe invérsée) التي تسعى إلى الاستفادة من تكنولوجيا الإعلام…

المداخلة الثالثة:

ثُمّ تَمّ تسليم الكلمة إلى د.عبد الله لحميمة (المغرب) ليعرض مداخلته الموسومة بـــ: “تدريسية النص السردي، نحو بدائل مغايرة لتفعيل الرغبة في التعلم”

ابتدأ الباحث مداخلته بالإشارة إلى عاملين أساسين يسهمان في ضعف أوفقر المعرفة الأدبية المسترفدة من النصوص، وهما تدنّي المحصول العلميّ- الأكاديميّ لدى المدرسين في ما يخص المعرفة الأدبية والنقد الأدبيّ، والذي تتحمل الجامعة المغربية النصيب الوافر فيه، وأما الثاني فيتجلّى في تخلّف طرائق التدريس المتّبَعة في تدريس المتعلم، والتي تقدّس المعلم وتجعله قطب رحى ومَعِين المعرفة في العملية التعليمية- التعلمية.

ومن ثَمّ دعا المحاضر إلى العمل على خلق ذات متعلمة وفاعلة تقود، من خلال سيرورة التعلمات، إلى الوصول إلى “الاستبصار” الذي يتشكل جراء تشكيل ووعي هذه الذات بفهمها الذاتي للأنشطة، وبالاستجابة إلى دافعيتها في تخطي الصعوبات والإكراهات التي تتولد عن سيرورات التعلم.

وللمساعدة على التوصل إلى هذا الاستبصار شدد الباحث على ضرورة أن تتسم الوضعية/السياق بالمرونة والملاءمة والقابلية للتنفيذ، مما يمكّن من الجمع بين المحتوى/ المضمون والشكل(شكل المحتوى). ثم تطرق الباحث إلى الحديث عن الكفاية، ورأى أنها لا تحتمل التعريف القبلي وإنما تُعرَّف تبعا للنتائج المحصل عليها، ولأن مفهوم الكفاية يتشكل بشكل بعديّ لا قبليّ؛ أي: بعد أن تكون الوضعية التي انطلقنا منها قد اكتملت. وبعدها حاول الباحث محاصرة موضوع “المثلث البيداغوجي”(المتعلم- المعرفة- المدرس) مضيفا إليه، لزاما، الفضاء الزمكاني، وطرائق التعلم والوسائل والوسائط.

وفي غياب اهتمام مخصوص من قبل المتعلمين بتعلماتهم، أصبح كاهل المعلم مثقلا بابتكار وضعيات باعثة على التعلمات يركَّز فيها على الجانب الوجداني للمتعلمين؛ بحيث يخلق الإثارة والتشويق لديهم مما سيدفعهم إلى التفاعل والتواصل مع النصوص السردية ضمن ما يسمى بـــ”القراءة التفاعلية”.

ورأى الباحث أنه، أحيانا، يكون الكتاب المدرسيّ حجر عثرة أمام تحقيق “القراءة المتفاعلة” بسبب تشويهه للنصوص الأدبية عامة والسردية على وجه الخصوص، ومن تجليات هذا التشويهاجتزاء مقاطع من النص برمته ودراستها بمعزل عن السياق العام الذي وردت فيه مما يؤثر على المعنى العام، كما يبتر بعض المشيرات الخطابية التي تدخل ضمن الخُطاطة العامة للنص.

ومما يُسهم في إقبال التلميذ على التعلمات الذاتية وتحفيز الدافعية لديه، بالإضافة إلى ما تم تقديمه، ذكر الباحث طرق تدبير السؤال التربوي، وكفايات الأسئلة الديدكتيكية المرتبطة بـــ”صنافة بلوم”، وحددها في ستِّ كفايات، هي: التذكر، والفهم، والتطبيق، والتحليل، والتركيب، ثم التقويم، كما توقف عند أهمية السؤال باعتباره عملية تواصلية تربوية، وذكر من أنواع الأسئلة التربوية: التشخيصية، التمهيدية، التحليلية، التركيبية، الاستدلالية. كما أشار إلى مجموعة من طرائق التنشيط للمقاطع الديدكتيكية: العصف الذهني، الحوار والنقاش، تقمص الأدوار، دراسة الحالة، طريقة فيليبس 6/6.

وخلص الباحث إلى أن عملية الإقراء للنص السردي، لا تتحقق إلا بحفز وتمهير المتعلمين على الإنتاج المكتوب والشفهي، واستثمار المهارات التعبيرية الرافدة من النص السردي.

المداخلة الرابعة:

نُقلت الكلمة في هذه المداخلة إلى الطالبة الباحثة في سلك الدكتوراه ذة. فوزية بن ميسية (الجزائر) تحت إشراف د.ضيف مغنية(جامعة الجزائر2)، والتي قدمت موضوعا بعنوان: “الأنشطة الفنية والثقافية ودورها في إثارة الدافعية لدى المتعلم”

ألمحت الباحثة إلى أن الإقراء المنهجي للنص السردي، لا يُسعِف في تكوين متعلم شغوف، وترتيبا عليه يبقى المدرس هو الواسطة بين المعرفة والمتعلم باعتماد آليات متجددة، كما ذكّرت أنّ اللعب بالنسبة للمتعلمين قد يحقق نتائج جيدة، نزولا عند قولة بورخيس: “اعمل كطفل يلعب بجدية”، مما ييسر عملية إثارة الدافعية داخلية المنشأ لديه. هذه الدافعية التي، بحسب برنار شارلو bernard charlot، “تحرك سلوك وأداء المتعلم”؛ لأنها تخاطب جانبه الوجداني باعتبارها مثيرا داخليا وقوةً باطنيةً تضمن النهل من المعرفة والإقبال عليها.

ومن ثَمّ يجب عدم إهمال “النشاطات الثقافية” بالموازاة مع التعلّمات الأخرى، في مثل، الرسم، الموسيقى، المسرح، البستنة، الإذاعة المدرسية… لأن المدرسة فضاء ونسق اجتماعي مفتوح يجب أن تتبلور من خلاله شخصية المتعلّم، ولفتت إلىالدور الوجداني والاجتماعي لهذه الأنشطة في عملية التنشئة الاجتماعية، كما أنها تعتبر طريقة علاجية تُعِين على تجاوز العديد من مظاهر “الباثولوجيا المدرسية” التي تتراوح بين العنف والهدر المدرسيين.

زِد على ذلك أن من شأن هذه الفنون تحريك السلوك باتجاه الإبداع الذي تحدثه “التنبيهات” التي يتلقاها الجهاز العصبيّ، وعددت من بين الأنشطة: البدنية- الحركية، الفنية: (الرسم، النحت، التشكيل، المسرح…)، الاجتماعية: (التطوع، الأعمال الخيرية…)، البيئية: (الرحلات الخلوية، التربية البيئية…)، العلمية: (التجارب العلمية…)

وأشارت، أيضا، إلى ما دعاه بيير بورديو Pierre Bordieu في كتابه الموسوم بــ(التمييز) بــ”رأس المال الثقافي للأسرة” في علاقته باستهلاك المعرفة، وهو رأس مال ينبني على “الانتماء الاجتماعي، واليسر الثقافي، لتنتقل إلى الجوانب المتعددة التي تنميها الأنشطة الفنية لدى المتعلمين، ومنها: الجوانب الفكرية(Intélléctual)، الوجدانية(Emotional)، الاجتماعية(Social)، المهارية(Physical)، الجمالية(Aesthétic)، والإبداعية (Créative).

وخلُصت إلى أنه يجب دمج الفنون بمختلف أنواعها، وتكثيف النشاطات الثقافية والفنية لتحقيق الدافعية داخلية المنشأ، لتتخلص الباحثة إلى التأكيد، انطلاقا مما سلف من معطيات في ورقتها العلمية، على أن الأنشطة الفنية والثقافية تضطلع بدور محوريّ في إثارة الرغبة والدافعية لدى المتعلمين، بل تربط بينهما علاقة اطِّراد وتنامٍ؛ فكلما ازداد أحدهما انعكست الزيادة على الثاني، وكلما انكمش أحدهما إلا وانحسر الآخر.

ثم فُسح المجال، بشكل تركيبيّ، أمام المناقشات المستفيضة لما ورد في هذه المداخلات والورقات العلمية والوقوف على مُدخلاتها ومُخرجاتها، وخلخلة بعض المفاهيم وتثمين هذه الورقات.

اليوم الثاني: الأربعاء 24 أبريل 2019.

الجلسة الثالثة:

انكب المؤتمرون في اليوم الثاني من أشغالهم العلمية، على دراسة محوريْ: “تصريف كفاية التقويم لدى المدرس وأثرها على دافعية التعلم”،و”تكنولوجيا الإعلام والاتصال ورهانات الاستثمار في خلق دافعية التعلم”، وقد يسَّر أشغال هذه الجلسة د. التادلي الزاوي(المغرب).

المداخلة الأولى:

افتتحت هذه الجلسة بمداخلة حول موضوع: “أهمية الموارد الرقمية في بناء وتجديد دافعية المتعلم للغة العربية” لـــلدكتورة نورة مستغفر(المغرب).

واستهدفت هذه المداخلة إبراز التأثير الإيجابي للموارد الرقمية في استثارة أو بناء الدافعية داخلية المنشأ لدى المتعلمين للغة العربية. وهي عملية تتغيا تحسين مستوى المتعلمين التعلّمي والتفوّق فيه، بالإضافة إلى تجاوز المعيقات التي تطبع طريقة الدرس التقليديّ، والتي رأت الباحثة أنها طريقة تغلب عليها الرتابة والجمود والأحكام القيمية.

وارتكزت المتدخلة في ورقتها هاته على ثلاث نقاط، هي: التعريف بالموارد الرقمية وإبراز أهميتها وطرق تصميمها، بينما تناولت في النقطة التالية موضوع الدافعية لدى متعلم اللغة العربية، لتتخلص بنقطة أخيرة خصصتها لنتائج الدراسة الميدانية لاستعمال مورد رقمي في خلق الدافعية والحصول على نقط التفوق في اللغة العربية.

وسيجت دعامات النقطة الأولى في مجموعة من الأساسات، منها: الرغبة في التعلم، التصميم المنظم للوحدة الدراسية من خلال البناء الديدكتيكي المحكم والتقويم المنظم، التنويع في استراتيجيات التدريس، تنويع أنماط التعليم. وهو ما يجعل الاستعانة بالمورد الرقميّمُفضيا إلى الوصول إلى الجودة، وخلق الدافعية أو إثارتها وبنائها، والإفضاء إلى استقلالية المتعلم. ولتجويد الموارد الرقمية في أفق الحصول على جودة التعليم، رأت الباحثة أن ذلك يتطلب توافر مجموعة من المعايير، ذكرت منها: المعايير العلمية، التربوية، الفنية، ثم البرمجاتية.

ولرصد العلاقة بين استعمال المورد الرقمي والدافعية رأت الباحثة أن ذلك يلزمه مجموعة من المعايير، ذكرت منها: حسن تصميم البرمجة وأناقتها، أهمية عنصر التشويق في زيادة الدافعية لدى المتعلمين، أهمية التفاعل والانفعال في تنامي الرغبة في التحصيل لديهم. وأما ما يخص إجراءات تعزيز الدافعية لدى المتعلمين، فحصرتها الباحثة في التركيز على الموضوعية والتأنق في عرض المواد التعليمية، بالإضافة إلى توفير جوّ من الحرية مرتبط بالتعلّمات الذاتية المنظمة  (Apprentissage autorégulé) لدى الناشئة، والذي يسمح بتجاوز الإحباطات النفسية والاجتماعية والأسرية بما يتيحه من الانغماس في العالم الافتراضي للبيئة الرقمية.

المداخلة الثانية:

نَقل ميسّر الجلسة زمام الكلمة إلى فارس المداخلة الثانية،وهي بعنوان: “دروس الدعم على المنصات الرقمية، إجراءٌ بديل لجسر المتعلم بالمعرفة في الألفية الثالثة”، لــ د.عياد ازويرة (الجزائر).

انطلق المحاضر من سؤالين إشكاليّين، هما: فلسفة التعليم التكنولوجي، هل هي أكبر من أن تكون مجرد استقطاب لآلة أو لوسيلة تواصل ضمن العملية التعلّمية؟ أم هل هي تلقين وتثقيف أم أنها ممارسة وإبداع وصناعة للمنتَج الثقافي؟

ثم تطرق إلى المُدخلات المُفضية إلى محاورة هذه الإشكالات، وفي مقدمها: دراسة المعرفة في ظل الطفرة التكنولوجية، لينتقل إلى إبراز دور المؤسسة التعليمية الرسمية (المدرسة أو المعهد أو الجامعة) في بناء المجتمع التقني، لينفذ منه إلى العلاقة بين الفن والرقمنة والثقافة الرقمية. وكلها مكوّنات تدخل ضمن الثقافة البصرية التي رأى الباحث أن لها تداعيات أوجزها في: هيمنة الحاضر على مجال الإدراك، وطغيان المباشر على وعي المشاهد، ثم الاتجاه من الواقع الواقعيّ إلى الواقع الافتراضي.

واقترح المحاضر إنشاء “المدرسة الرقمية الفضائية” مما سيحفز ويزيد من وتيرة البحث، ويضيّق، بالمقابل، الفجوة بين الباحث وبين الوصول إلى المعلومة/المعرفة. وعدّد من حسنات “المدرسة الرقمية”:التكلفة الزهيدة، وتمكن المتعلمين من الإحاطة بمصادر المعرفة المتوافرة، وتيسير اكتساب المهارة اللازمة، والاستفادة من فرص التعلم المتاحة، والإحاطة بما هو متبادل،آنيا، من المعرفة على مستوى العالم.

ولفتَ الباحث إلى أنّه من شأن الرقمنة أن تُذلّل الصعوبات المرتبطة بالنطق/ ما هو صوتيّ محض، أو المرتبطة بالكتابة والتحرير، كما تنمّي قدرة المتعلم على فهم اللغة العربية من خلال الاستماع والإنصات إليها، وتيسير قدرة الطالب على النطق الصحيح، وإقداره على قراءة المكتوب بالعربية، وعلى كتابتها.

وللوصول إلى هذا الهدف يتوجب الالتزام بالاستراتيجية المناسبة، التي ستمكّن من زيادة الدافعية في عملية التعلم، ومسايرة متطلبات العصر، وسنحِ الفرصة أمام ممارسة المتعلمين لتعلماتهم الذاتية والمكتسبة، كما يخفف، إلى درجة ما، الأعباء على المعلم، وينوّع من الاستخدام اللغوي: اللفظي والسمعي والبصري. وللتدليل على “رهانه الرقمي التعليمي ونجاعته” عرض المحاضر أنموذجا رقميا انصب على “الدرس اللغوي” من خلال خمسة أعلام، هم: أبي الأسود الذؤلي، عبد الله بن إسحاق الحضرمي، عيسى بن عمر، الخليل بن أحمد الفراهيدي، نصر بن عاصم. كما عرض أنموذجا إجرائيا للتدريس عبر الرقمنة، مرفوقا بالتقويم(الاختبارات/التغذية الراجعة).

وخلُص الباحث إلى أن حل إشكالية التعليم بين المدرسة ووسائلها التقليدية وبين المدرسة الافتراضية يمر عبر “حوسبة”ورقمنة المواد الأساسية، وتجاوز “الجغرافيا” المحدودة إلى “العالمية” من خلال استغلال “النت”.

المداخلة الثالثة:

تطرقت للمداخلة الثالثة إلى موضوع بعنوان: “التقويم ودافعية التعلم، الواقع والبديل” لــ ذ.يوسف العجان(المغرب).

وفي ظل تقاطع هذه المداخلة مع المداخلتين المقبلتين (الرابعة والخامسة)؛ لأنها تهتم كلها بالتقويم في علاقته بالدافعية داخلية المنشأ، يُهِمّنا في هذه الورقة التركيز على إشكاليتها، وهي: ما أثر كفاية التقويم لدى المدرس على دافعية التعلم عند المتعلمين؟ وكيف يمكن للمدرس أن يُقوِّم تعلمات المتعلمين في ظل المقاربة بالكفايات علما أنها ذهنية متغيرة؟ وكيف للتقويم أن يرفع من دافعية المتعلمين ويحفزهم إلى تحقيق التميز؟

انطلق الباحث، في تصدّيه لهذه الأسئلة/الإشكالات، من إبراز التوسع في مفهوم التقويم الذي “لم يعد محصورا في قياس درجة أداء المتعلم، قصد اتخاذ قرارات بشأن العملية التعليمية؛ وإنما أضحى الأمر يتجاوز هذا النطاق ويستشرف آفاقا أوسع، تتحدد في “محاولة تحليل العمليات المعرفية (Procéssus Cognitifs) عنده.” ومن ثَم لزم تسليح المعلم بثلاث كفايات حيوية، وهي “كفاية التخطيط”، و”كفاية التدبير”، و”كفاية التقويم”.

ولتحقيق الدافعية لدى المتعلمين من طريق التقويم، اقترح الباحث أن تستثمر الممارسة التقويمية الأمور الآتية: جودة التقويم وصدقه، تغيير نظرة المتعلم حول التعلم، الرفع من وعي المتعلم بذاته، تنويع الأنشطة والمواقف، مراعاة خصوصيات المتعلم، استحضار العوامل الاجتماعية، تجويد التعلمات، ربط التعليم بالتنمية، الرفع من مكانة المدرسة المغربية والمدرس… ومن ثم خَلُص الباحث إلى أن استثارة الدافعية لدى المتعلمين يمر عبر الارتقاء بالتقويم من خلال جعله واعيا بذاته وقدراته، وهو ما يحققه المدرس بتشجيعه على بناء التعلمات أو استثمارها على الشكل الأنسب المراعي للجوانب الانفعالية والاجتماعية والأسرية للمتعلمين.

المداخلة الرابعة:

عبَر بنا مسير الجلسة إلى المداخلة الرابعة، وكانت بعنوان: “أثر التقويم في دافعية التعلم” لــ د. عادل الضباع(المغرب).

انطلق المحاضر في هذه المداخلة التي تروم التركيز على الآثار المحتملة للتقويم على الدافعية من خلال ثلاثة محاور: يناقش الأول منها التقويم التربوي باعتباره الرابط بين مكونات العملية التعليمية التعلمية، وبوصفه مؤشرا دالا على نجاح أو فشل الفاعلين في المنظومة التربوية برمتها، في حين تناول المحورُ الثانيّ الدافعية باعتبارها القوة الداخلية الذاتية المحركة لسلوك الفرد والمُوجهة له، ثم ناقش الأخيرُ منها أهمَّ العوامل المؤثرة في دافعية التعلم لدى المتعلمين.

وعدَّد الباحث من بين العوامل المؤثرة في الدافعية: التقويم الذي يَقُوم به المدرس بما يستضمر من مكافآت داخل مناخ صفّيّ معين، والقوانين الداخلية المكبِّلة للمدرس، وجداول الحصص، وكذلك الحياة الأسرية والاجتماعية والعمل الإضافيّ بالنسبة لبعض المدرسين، بالإضافة إلى القيم والقوانين وطبيعة الثقافة السائدة في المجتمع.

وأما المعيقات التي تؤثر في إضعاف الجهود الرامية لجعل التقويم رافعة لتحقيق الدافعية، فذكر المُحاضر منها: الارتباط المباشر لعملية التقويم بنفسية المتعلمين، ونظرتهم لهذه العملية، خاصة، في مسلك العلوم الإنسانية والأدب، إفراغ التقويم من نجاعته لارتباطه المباشر بالفروض والامتحانات، كما أن التركيز على التقويم الكتابيّقد يعصفبمواهب وموارد بشرية في حالة رسوبها في ما هو تقويم كتابيّ، مع غلبة الحفظ وتكرير النماذج الجاهزة وهيمنتها على التحليل والإبداع…وذكر في هذا الإطار بالتجربة الفنلندية التي تنبني على تعلم (تعلم التعلمات)، ولذلك رأى الباحث أنه لتخطّي هذه المعيقات، يتوجب علينا لزاما أن نعمل على اعتماد مهارة “تعلم التعلم” لتنمية الأداء، وتنمية قدرة الطالب على التعلم المستقبليّ، والاعتناء بالباعث الذاتي ودافعية التعلم، وزرع الثقة في نفس المتعلم ليتمكن من حل المشكلات ضمن وضعيات تعلمية حقيقية، وأخيرا تنمية قدرة المتعلم على تقويم أدائه التعلّمي، واكتساب الاستراتيجيات التعلّمية.

ومن بين ما شدد عليه المحاضر، مما يعيق بعث الدافعية من رمادها، مسألة “التقديرات التقويمية”(Appréciations)، وما لها من تأثير ووقعٍ مباشر على الدافعية ومن بين تجلياتها اعتماد عبارات “مسكوكة” في مثل “ضعيف”، “ضعيف جدا”، “لا بأس به”… وأن أثربعض هذه “التقديرات” قد يتسبب في الهدر المدرسي؛ بل والإحباط النفسي والتقوقع على الذات.

وعلى سبيل الختم، وللخروج من هذه المَطبَّات التربوية والضغوط النفسية، وجّه المحاضر “دفة الإنقاذ” نحو الأسرة واعتبرها مناط الدافعية لدى المتعلم؛ لأنها الحاضن له بما توفره له من تربية أخلاقية واجتماعية وسلوكية ودعمٍ نفسيٍّ يضمن توازنه العاطفي- الانفعالي…

المداخلة الخامسة:

نُقل سيف الكلمة في ختام هذه الجلسة إلى ذة. نوال بنرحو(المغرب) لتعرض تصورها لعلاقة التقويم المرحلي/التكويني بالدافعية لدى المتعلمين، من خلال ورقتها العلمية المُقدَّمة باللغة الفرنسية، والتي وسمتها بــــ:

Evaluation formative levier pour stimuler la motivation des apprenants.  (التقويم التكويني رافعة لحفز الدافعية لدى المتعلمين)

استهلت الباحثة ورقتها العلمية بتقديم مجموعة من الإحصاءات المتعلقة بالفشل الدراسي لدى المتعلمين، خاصة، في مستوى الإعدادي والثانوي؛ ففي المغرب يقدر عدد المتعلمين الذين يواجهون صعوبات في “الجذع المشترك” ب 54%، في حين يقدر عدد المتعلمين الغير متمكنين من التعلمات الأساسية، لا من حيث القدرات ولا من حيث المعارف بــــ 40% عند إنهائهم لمستوى الإعدادي، وهذا العدد قابل للزيادة بحسب “الهيئة الوطنية للتقييم” 2016.

ويُفسَّر هذا الفشل الذي يمثل إشكالية عصيبة تعيق تطوير النظام التعليمي ببلادنا إلى عوامل، منها: الخلل في النظام التعليمي نفسه، مرورا بالمدرسة المغربية، وصولا إلى ما هو اجتماعيّ وذاتيّ. وأهمَّ الباحثةَ، في خضم هذا اللجاج كله، غيابُ الدافعية لدى المتعلمين، الذين إما أنهم يعزفون عن التعلمات أو يلجأون إلى الغيابات المفضية إلى الانقطاع الكلي عن الدراسة جرّاء تكريس غياب وفقدان الدافعية لديهم.

وعزت الباحثة هذا الغياب إلى أسباب، منها: طريقة التقويم التي يمارسها المعلمون والتي تخلِّف وقعا مخصوصا في نفوس المتعلمين، علما أن التقويم تنظمه مذكرات وزارية، وتحث عليه. ثم قدمت الباحثة تعريفا مستوفيا للدافعية والدينامية الدافعية انطلاقا من تصور رولان فيوRolland Viau(2009) الذي يرى أن الدافعية تستمد أصولها من ثلاثة مصادر، هي عبارة عن إدراكات: الأول يهم إدراك المتعلم لقيمة النشاط التعلمي، والثاني إدراكه لقدراته الذاتية لحظة إنجاز هذا النشاط، والأخير يُهِم “ضابطيته” وتمكنه أثناء الإنجاز. وهذه الإدراكات مرتبطة ببعضها ومتبادلة التأثر والتأثير بعضها ببعض.

ثم انتقلت المُحاضِرة إلى الحديث عن “التقويم المعياريّ” الذي يستند إلى مجموعة من المعايير والمؤشرات، ثم تطرقت إلى العلاقة بين التقويم التكويني والتقويم المعياري، لتخلص إلى وقع وأثر التقويم التكويني على الدافعية لدى المتعلمين.

وهذا الأثر درسته الباحثة من أربعة مناحٍ، تضبطها العلاقة بين الدافعية ونوعية التقويم الذي يخضع له المتعلم، وهكذا همّ المنحى الأول أثر التقويم التكويني على الدافعية لدى المتعلمين بحسب نوع التقويم (التقويم تبعا للمعايير والمؤشرات)، والمنحى الثاني بحسب المقاربة التقويمية التي تنصب على أداء أو تعلمات المتعلمين، بينما اهتم المنحى الثالث بالعلاقة بينهما بحسب توفر “التغذية الراجعة” في الدافعية لدى المتعلمين، أما المنحى الرابع فيتعلق بالعلاقة بينهما بحسب المستويات الدراسية.

ولجعل التقويم حافزا إلى الدافعية لدى المتعلمين اقترحت الباحثة أربع نقط، نجملها في: تحسيس المتعلم بأن الأخطاء التي يرتكبها أثناء التعلمات أو التقويم “ليست أخطاء خاضعة للعقاب” بقدر ما تسهم في سيرورته التعلمية، بالإضافة إلى إقدار المتعلم، ليس فقط،على التمكّن من التعلمات التي لا يتقنها؛ بل منحُه الفرصة لإظهار ما تعلّمه ونجح فيه، أو طوّر ذاته وتعلماته من خلاله، ثم إمداد المتعلم بالآليات القمينة بتمكينه من “التقويم- الذاتي”، مع مساعدته على الاطلاع على التحسن والتطور الذي وصل إليه؛ لأن المتعلم الذي لا يطّلع على تطور تعلماته يستنتج بشكل آليّ أنه لا يتعلم.

وخلصت الباحثة إلى أن ورقتها هاته، هي محاولة للبرهنة على إمكانية جعل التقويم حافزا للدافعية داخلية المنشأ من خلال تعبيد الطريق إلى هذا الهدف بتنزيل المقترحات الأربعة الأخيرة، ومن خلال خلق جوّ من الثقة بين المدرس وبين المتعلم، يجعل الأخير يطمئن إلى الوسائل التقويمية المعتمدة، كما أن المدرس/المدرسين يتحملون جزءا كبيرا في هذه الرؤية التي تروم تغيير العقليات، وذلك من خلال تكاتف جهود كل الذين يؤمنون بمشروع التغيير.

وبعد مناقشة معطيات هذه الورقات العلمية، وبعد المطارحات والمذاكرات بخصوص ما جاء فيها، رفعت هذه الجلسة الصباحية.

الجلسة الرابعة:

وخصصت للورشات التطبيقية، وكانت على الشكل الآتي:

أشغال الورشات:

الورشة الأولى: “بناء الدافعية داخلية المنشأ في مكون النصوص”، وأطَّرها د. التادلي الزاوي، ذ.ابراهيم العمري.

الورشة الثانية: “بناء الدافعية داخلية المنشأ في مكون علوم اللغة”، وأطّر الورشة أ.م عبد الرزاق المصباحي، ذ. عزيز بنجهود، ذ.محمد سمكان.

الورشة الثالثة: “بناء الدافعية داخلية المنشأ في مكون التعبير والإنشاء”، وأطّر الورشة كل من د. عبد الله لحميمة، ذة. نوال بنرحو، د. عادل الضباع، ذ.أشرف اقريطب.

الورشة الرابعة: “بناء الدافعية داخلية المنشأ في مكون المؤلفات”، من تأطير دة. الزهرة براهيم، ذة. فوزية بن ميسية، ذ. يوسف لعجان، ذ.فضيل ناصري.

الورشة الخامسة: “استثمار تكنولوجيا الإعلام والاتصال في الدعم الدراسي وبناء الدافعية داخلية المنشأ”، وأطّر الجلسة كل من د. عياد ازويرة، ود. أحمد لعمش، ذة. حفيظة مبروك، ذ.محمد ناصيري.

الورشة السادسة:L’auto formation en formation initiale à l’ère numérique. Autonomisation et contraintes. (التكوين الذاتي في مجال التكوين الأوّلي: التمكين والإكراهات). وأطّر هذه الورشة كل من د. نورة مستغفر، أ.د. محمد مهرير، ذ.نور الدين أرطيع.

وكللت هذه الجلسة بتقاسم أشغال الورشات ومناقشة أعمالها التطبيقية، ليتم قراءة التوصيات المنبثقة عن هذا المؤتمر الأول المثمر، ثم ختمت الأشغال بتسليم المشاركين شهادات التقدير اعترافابإسهامهم في إنجاح هذا الملتقى الديدكتيكي/البيداغوجي الأول بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين/ فرع القنيطرة، مع خالص الرجاء بانعقاد النسخة الثانية منه العام المقبل، في قضية بيداغوجية/ديداكتيكية جديدة.

 

 

 

 

اظهر المزيد

زهرة براهيم

د. الزُّهرة براهيم منسقة فريق البحث المدرسة وبدائل التعلم ÉcoAltA، باحثة في المسرح والأنثروبولوجيا والديدكتيك - المغرب

‫2 تعليقات

  1. الشكر موصول لكم على هذه المجهودات التي تبذلونها من أجل تحقيق الارتقاء الاجتماعي بالمدرسة العمومية ومن ثمة بالمجتمع المغربي والعربي

    1. نحن أسعد حضرتكم بأن نساهم في إثراء موقع فلاش زومين المواضيع تصب في إهتممات مجتمعات المغرب العربي ونتمنى مشاركتنا إهتمامتكم عبر الايمايل .
      تحياتي وتقدير أسرة الموقع

أكتب تعليقك هنا

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: