مقالات وآراء

مختصون يؤكدون: المناهج لا زالت تعاني اختلالات عدة

في الجلسة الأولى من المؤتمر الدولي الأول لقضايا البيداغوجيات والديداكتيك

تقرير الأستاذة سمية الفزازي_ الأستاذ عبد الهادي موادي

تحت شعار: “الدافعية داخلية المنشأ ورهانات التعليم والتعلم” نظم فريق البحث “المدرسة وبدائل التعلم” المؤتمر الدولي الأول لقضايا البيداغوجيا والديداكتيك الذي انطلقت أشغاله صباح يوم الثلاثاء 23 أبريل على الساعة 8:30 دقيقة بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين الرباط_ سلا_ القنيطرة فرع القنيطرة.

انطلقت الجلسة الصباحية الأولى على الساعة 11:00 بعنوان “بناء الدافعية داخلية المنشأ في ضوء مدرسة القرن الواحد والعشرين (البيداغوجيات الحديثة/ استراتيجيات تأهيل المدرسين/ التعاقد بين المدرسة والأسرة). استهل الجلسة د. أحمد العمش من المغرب بمداخلة بعنوان “سؤال بناء الدافعية داخلية المنشأ في المدرسة الراهنة” شكر في بدايتها أعضاء اللجنة التنظيمية، وركز فيها على عاملين أساسين يؤثران في بناء الدافعية داخلية المنشأ وهما تأثير الثورة الصناعية المسبوقة بالثورة الفكرية ثم التحولات الكبرى التكنولوجيا العلمية. وتساءل في معرض حديثه عن طبيعة المدرسة وأدوارها وفرضية وجود مجتمع بلا مدارس نظرا لما آلت إليه وضعية المدرسة اليوم. هذا الاختلال هو ذو طبيعية عالمية تعاني منه منظومات تربوية أخرى وليست ظاهرة تخص المغرب. ويرجع سبب الخلل ذاك إلى شحوب الاهتمام بالمتعلم، وهو ما يستدعي الانتقال من البحث في التعلم إلى البحث إلى البحث في كيفية التعلم وتوظيف استراتيجيات ذهنية من طرف المتعلم لتحقيق الأهداف التعلمية.

استطرد الأستاذ أحمد العمش مسائلا متسائلا أنه رغم السعي الدؤوب وراء تطوير الوسائل والتقنيات والطرائق إلا أن المناهج لا زالت تعاني من عدة اختلالات، ورغم استبدال التدريس بالمضامين بالتدريس بالأهداف إلى التدريس بالكفايات في الوقت الراهن إلا أن الخلل ظل متجدرا. ومما كرس ذاك المفهوم أن عُدت المدرسة منذ الثمانينات غير منتجة وبدأت تُطرح مقترحات للتنمية البشرية و حلول لتحقيق مشروع تربوي متكامل ومطالب بضرورة الاستثمار في الموارد البشرية إلا أن كل ذلك كان مجرد كلام عابر لم ينزل على أرض الواقع. كما أشار الأستاذ العمش في الأخير إلى أن من بين عوائق الدافعية داخلية المنشأ جعل التعلم امتيازا للمتعلم بدل كونه حقا من حقوق الإنسان والطفل خاصة…

إن البحث في الدافعية داخلية المنشأ بحث في سؤال حول إمكانية وجود فعل الإرادة للنهوض بالمجتمعات وإيجاد تفكير نقدي  بديل عن تفكير ينهل من دراسات تصب في تاريخ الفلسفة أو الأدب أو غيرهما، هو حديث عن أجرأة الحلول الرسمية وتنزيلها واقعيا.

المداخلة الثانية قدمتها ذة. حفيظة مبروك “بناء الدافعية داخلية المنشأ لدى المتعلم تعاقد أساس بين المدرسة والأسرة” استهلتها بكلمة شكر وترحيب، وتحدثت خلالها عن صعوبات الفعل التعلمي ودور الأسرة باعتبارها المؤسسة الأولى للمتعلم تيسر اندماجه داخل المجتمع وتمكنه من التشبع بالقيم والمبادئ. إن الخلل الناجم عن العلاقة بين المدرسة والأسرة ينعكس بالضرورة على مستوى التعليم، لذا وجب وضع تعاقد بين المؤسستين السابقتين؛ الأسرة والمدرسة؛ لتحريك الدافعية لدى المتعلم مدى الحياة.

تساءلت الأستاذة بعد ذلك عن شكل ذاك التعاقد وماهية الدافعية وأنواعها ومؤشرات التقييم لتحقيقها معتمدة في مداخلتها المنهج التحليلي، فأكدت وجود تعاريف عدة للدافعية لم يتم الإجماع حول مفهوم واحد لها، فالدافعية اهتمام داخلي بموضوع ما وهي حالة داخلية تضبط سلوك الفرد وتوجهه، وهي أيضا حسب علم النفس منشط للسلوك وحالة لدى الكائن البشري لتحقيق أهدافه وكذا هي قوة داخلية نتيجة تجربة ما. وتبعا للتفسير السلوكي هي عملية تحريك للسلوك، ومن الناحية الإنسانية هي طبيعة إنسانية لإشباع دوافع المعرفة، أما من الناحية البحثية فالدافعية حالة استثمار للطاقات تحقيقا للتكيف وعدم الفشل. إن الدافعية بذلك حالة هدفها زعزعة المعارف وتشغيل القدرات الذهنية لإشباع الفضول والوصول إلى الهدف المرجو، ولها وظيفتان أساسيتان؛ توليدية للسلوك وتوجيهية له نحو غاية ما.

أما أنواع الدافعية فهي إما داخلية على اعتبارها محركا توظف في قدرات أو خارجية ثانوية مكتسبة من البيئة المادية والاجتماعية عن طريق الثواب أو العقاب، ولا تتسم الدافعية بطابع الثبوت بل هي تتأرجح ما بين الحضور والغياب.

انتقلت الأستاذة للحديث بعدها عن مؤشرات حصول الدافعية من وجهة المقاربة السوسيومعرفية وهي الانخراط المعرفي من خلال المجهود الذهني لاكتساب المعارف والطمأنينة والثقة وكذا القدرة على اكتساب استراتيجيات لضبط التحكم الذاتي، كما تتجلى في تقنيات توظيف المعلومات (الاستراتيجية المعرفية) والاستراتيجية الوجدانية التي تحقق التوازن من خلال إيجاد علاقة بين الوجدان والتعلم وأيضا تتشكل في التدبير من خلال تتنظيم الوقت والفضاءات والمصادر وغيرها.

إن التعاقد يتحقق بين الأسرة والمدرسة عبر إيجاد المُرافق وعن طريق الاتفاق الحر حول بنود التعاقد سواء ما اتصل بموضوع العقد أو الزمن أو الإجراءات أو السبل العلاجية. والتعاقدات أصناف منها ما يربط الأسرة بالمدرسة ومنها ما يربط بين الفاعلين في المجتمع المدني إضافة إلى التعاقد الفصلي.

وانتهت الأستاذة في الأخير إلى خلاصة مفادها أن إشراك الأسرة أصبح ضرورة ملحة للمساعدة على إدماج الأفراد في المجتمعات ودعم ومواكبة المشاريع التربوية.

مداخلة ذ. عبد الرزاق المصباحي “القراءة المنهجية للنصوص بسلك الثانوي التأهيلي: الأنشطة المندمجة مدخلا ديداكتيكيا” تحدث فيها عن هيمنة المنظور الإداري  على حساب المنظور البيداغوجي.

إن الأنشطة المندمجة تتكامل والأنشطة الفصلية داخل الصف المدرسي مما يحقق أهداف المنهاج ويوفر هامشا للمبادرات الفردية ويخلق الجمالية. إن الأنشطة المندمجة أيضا لا تقوم على مبدأ الثواب والعقاب عكس الأنشطة الفصلية ذات الضوابط المقيٍّدة، لذا وجب خلق أنشطة مندمجة تحقق المتعة والفائدة  معا لأنها ذات طبيعة تكوينية (كفاية استراتيجية) خلافا للفصلية المتبوعة بامتحانات واختبارات، وذاك ما يقلل من نسبة التنافسية.

إن من شأن الأنشطة المندمجة أن تعيد الثقة بالنفس للمتعلم لتجاوز التعثرات والصعوبات التي تعترضه، مثالا على ذلك منهجية قراءة النص السردي (في تجربة ذاتية للأستاذ المصباحي)، فتدريسها يقتضي جعل المتعلم هو المتدخل؛ إذ قام ثلاثة من المتعلمين بأبحاث متصلة بالسرد وظفوا فيها منهجية القراءة بطريقة إبداعية نجمت عن الحرية التي منحت لهم. وحث الأستاذ في هذا السياق على ضرورة تحقيق الإشعاع بعيدا عن التقويم. وأشار إلى أنه لا يمكن الوصول إلى نتائج مرضية إلا عن طريق التدرج في مهارة استخراج الأفكار وإيجاد العلاقات الناظمة بينها وقراء نصوص بسيطة ومنح الاستقلالية في اختيار موضوعات الدراسة انتهاء بتثمين العمل مثلا عن طريق نشره في مجلة لتزكية العمل والمتعلمين.

مداخلة ذ. التهامي الحايني “الازدواجية اللغوية وإشكال بناء دافعية تعلم الفصحى لدى التلميذ الناطق بالعربية المغربية” خصصها بعد الشكر للجنة المنظمة لأعمال المؤتمر لطرح تساؤلات تهم الازدواجية اللغوية ودورها في ضمور الإنتاج وطرق تدريسها التقليدية في الوقت الراهن. إن الدافعية لا تتحقق إلا بالاكتشاف والعمل على التغيير والإثارة والمعرفة وإظهار الذات. والدافعية قسمان: التكاملية وهي الرغبة في تعلم اللغات دون الاندماج في المجتمع اللغوية وعكسها الدافعية الاندماجية. إن الازدواجية اللغوية تُبرز التأثير السلبي للعادات القديمة على العادات الجديدة (الدارجة في مواجهة اللغة العربية الفصحى) وهيمنة العربية المغربية في المدارس أثناء التواصل باللغة الفصحى.

تطرق الأستاذ بعد ذلك للحديث عن السوسيولسانيات ونظرية بورديو الاجتماعية في معرض حديثه عن السوق اللغوي، ففي المغرب يتمثل السوق اللغوي في العربية والفرنسية والإنجليزية والدارجة، تمثل العربية ما هو رسمي مقرر في الدستور المغربي في حين تمثل الفرنسية ما هو منزل بالفعل، وهذا ما يشكل عائقا لبناء الدافعية، وبناء عليه تم الحديث عن الأنماط اللغوية الرفيعة والدونية، فالعربية لها وضع رسمي في حين الفرنسية لها وضع وظيفي وقيمة رمزية فهي طريق النجاح ومفتاح العلوم والتكنولوجيا، وهي بذلك لغة رفيعة لم يصبها الانحصار.

إن اكتساب اللغة متصل أيضا بعامل السن، فضمور القدرة اللغوية يبرز بفعل التأخر في السن. إن سن الطفولة يتميز بمرونة الدماغ كما جاء في اللسانيات العصبية، وجهاز اكتساب اللغة إنما يتعثر بدءا من سن المراهقة.

تنبه الأستاذ أخيرا إلى واقع التسرب اللغوي المتمثل في تسرب الدارجة إلى تعلم اللغات الفصحى وغيرها.

وأُعقبت الجلسات بجملة من التعقيبات وطرح أسئلة وتساؤلات تصب في محور الجلسة الأولى رد عليها المتدخلون بإيجاز ودقة. وانتهت الجلسة الصباحية على الساعة 13:30 دقيقة بتقديم شهادة تقديرية للأستاذ التهامي الحايني قدمها له الدكتور أحمد أوزي.

اقرأ أيضا: الدكتورة الزهرة ابراهيم تؤكد على ضرورة اجتراح تخطيط منهجي لتدريسية المؤلفات

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق