مسرح

“سأموتُ في المنْفى” بَدَل فاقِد.. شهادةٌ قبل الشّهادة “قراءة تفاعلية “

د. الزهرة براهيم

 

 

 

 

 

د. الزهرة براهيم 

باحثة في المسرح والأنثروبولوجيا والديدكتيك

بالمناسبة.. إلى روح رزان النجار الشهيدة الحور.. إلى الدم الفلسطيني متى وأينما ساح.. إلى عهد التميمي أيقونة العزة الفلسطينية

1. صدى الوصية.. شهادة قبل الشهادة  

مَنْ في العالم الحديث لا يعرف إدوارد سعيد؟  يجد كل باحث في فكر هذا المثقف الفلسطيني متكأ: الفيلسوف والمؤرخ والسياسي والروائي والشاعر وعالم الاجتماع وعالم النفس والإثنولوجي والأنثروبولوجي والحقوقي.. وكل المناضلين في العالم ضدا عن النزعة الإمبريالية التي اختفت، تقريبا، في نسختها الكولونيالية التقليدية، باستثناء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، لتبحث لها عن مدخلات جديدة تتوافق مع تاريخ ما بعد فكفكة الاستعمار، على حد تعبيره. فالوعي الذي اكتسبه إدوارد سعيد بعد دراسة السرديات الغربية الاستعمارية، تنبِّه إلى أهمية السرد وقوة تأثيره على العقل الإنساني الذي لا ينفصل عن ذاكرته ويستمد هويته ومواقفه من مخزونها. من هذه القناعة ينصح أبناء شعبه على أن يحكي كل واحد منهم قصة حياته في الوطن وفي الشتات، وقصص كل من يعرفهم أو صادفهم من الأصلانيين الفلسطينيين الذين جربوا كل أنواع التصدي للاحتلال من أجل البقاء على الأرض التي أنجبتهم. وفي هذا الإطار تندرج عدد من التجارب الإبداعية نصا وعرضا، نذكر منها على سبيل العد لا الحصر، ما إعتبره بعض الباحثين:

خطابا لما بعد الكولونيالية حيث يقدم تجربة «سعد أردش من خلال مسرحية “النار والزيتون” التي أخرجها على وفق أسلوب المسرح التسجيلي، والتي تناولت الصراع العربي الصهيوني، وظف فيها عددا من الوثائق والشهادات التاريخية التي تدين الاحتلال الصهيوني».

يبدو أن هذه التجربة وغيرها تحقق استجابة غير مشروطة للنداء التالي: “أيها الفلسطيني الأصلاني، احك قصتك لِتَخْلُدَ قبل أن تموت”! هكذا تصورتُ صيغة وصية إدوارد سعيد باختزال، وقد قفزت إلى ذهني فصول كتابه “الثقافة والإمبريالية” وأنا أتابع بداية عرض الفنان الفلسطيني غنام صابر غنام يستعيد ما طلب هذا المثقف من أبناء شعبه: “على كل فلسطيني أن يكتب روايته”. الحكي لا يخلِّص فقط من الموت الجسدي، كالذي احتمت به شهرزاد من فتك شهريار، الحكي مناعة ضد الموت التاريخي، ضد الامحاء من الذاكرة، والخرائط، والأحلام، والوجود برمته. أليس التاريخ محض قصص وحكي عن أحداث ووقائع؟ أليست حياة الفلسطيني سوى جزء من هذه الأحداث وهذه الوقائع «إن القصص تكمن في اللُّباب.. كما أن القصص أيضا تغدو الوسيلة التي تستخدمها الشعوب المستعمَرة لتأكيد هويتها الخاصة ووجود تاريخها الخاص… إن الأمم، كما اقترح أحد النقاد، هي ذاتها سرديات ومرويات. وإن القوة على ممارسة السرد، أو منع سرديات أخرى من أن تتكوّن وتبزغ، لكبيرة بالنسبة للثقافة وللإمبريالية، وهي تشكل إحدى الروابط الرئيسية بينهما. والأكثر أهمية هو أن السرديات الجليلة الكبرى للتحرر والتنوير قد جندت الشعوب في العالم المستعمر وحفزتها على الانتفاض وخلع نير الإمبريالية»3. وتجاوبا مع هذا الحقيقة، يكتب غنام صابر غنام شهادته فلسطينيا، أولا، ومبدعا، ثانيا، حرص أن يتحمل وزرها لأنه لا يريد لمؤدٍّ غيره أن يُمثِّلها أو يَتمثَّلها، بل هو من يعيشها بروحه وجسده على مساحة أداء عبر الخرائط، في تونس، والكويت، والعراق، والأردن، ولبنان، وعُمان، وفلسطين، والمغرب، والبحرين…، مَعينُه خصب من تجربة حياتية تمتد إلى ثلاثة وستين سنة مشتتة بين ذكريات كفرعانا وأريحا والأردن وإمارة الشارقة.

  هي ذي الشهادة التي أوصى بها إدوارد سعيد، تأخذ شكلا جماليا يُبلِّغ حقائق صارخة يحفظها التاريخ الحديث، ولكل فلسطيني أن يؤديها من موقعه حسب هواه. ولأن هوى غنام صابر غنام مسرحي، فقد كان له لقاء بجمهوره المغربي الخاص ليلة 31 ماي 2018 على الساعة العاشرة ليلا برواق محمد الفاسي في وزارة الثقافة بالرباط المغربية، لكي يحكي لنا الحكاية. كان اللقاء رمضانيا وديا مملوءًا بالابتسامات، والضحكات، والتعليقات اللطيفة.. لكن في العمق ثمة انتظار لشيء مغاير سنراه الليلة بعيدا عن الثيمات المستهلكة في المسارح العربية.

منذ العبارة الأولى، حملنا الفنان إلى كفرعانا بصيغة سلام أهلها: “الله يمسيكم بالخير ويمسي الخير بكم، لأن الأيام تحلى بالإنسان والإنسان بيحلى بالأيام، وأحلى الناس هم البني آدمين وأحلى البني أدمين هم الناس ومساء الخير على البني آدمين”، سلام عائلات وحمائل قرية كفرعانا كما تم تبادله دوما في حمائل دار صالح، والملكة، والشرايعة، والمصاروة، والعمرة، ودار عبد الله. وينتمي مبدع “سأموت في المنفى” إلى “حمولة عمرة” التي «تضم عائلات أبو أصبع- تيم- خميس- حمو- دحبور- زق- زهران الشيخ- عامر- عرابي- عوض الله- الرياحي- غنام- أبو كشك» www.alnassabon.com  وهي الصيغة نفسها التي شكلت بوابة الحكي، ومنها تم استدراجنا إلى فتنة الحكاية ولوعة الحكاية. فأي حلول مسرحي هذا الذي يغريك بفتنة الحكاية ليصلبك على لوعة الحكاية؟! كان العرض طقسا للشهادة وكان رجة للولادة.. دخلنا العرض مغاربة وخرجنا وجدانات من كفرعانا!

2. أوزار السرد والشهادة

  ينطلق السرد من ثمانينات القرن الماضي، من حياة لاجئ منذورة لكل الاحتمالات لأن الخريطة بدل فاقد لم تكن تنعم بوضع سياسي منفرج. وحيث يتجشم السارد عبء سلة حكايات الأهل التي تغذي سيرته الذاتية، فإن الذاكرة ستنكأ جراحا عديدة بدل جرح واحد، وينتظم ملفوظ السرد في متوالية جراح لم تخضع لخطية زمنية كلاسيكية رتيبة linéarité chronologique  بحكم التقطيع المشهدي لمنسوب حضور سِيَر باقي شخوص الحكاية في سيرة السارد السيرذاتي.

∗ جرح النضال الخائب فهمي صابر غنام  ولد سنة 1942، في عز الحرب العالمية الثانية، وجهٌ من آلاف الوجوه الفلسطينية التي شتتها عدوان 1948 على خرائط اللجوء، ونشرها حلم العودة على حبال رثة ووعود مسيلمة في محافل العزة العربية الموهومة، وحين تعب فهمي من التجوال بقضيته وعاد ليستكين جوار أهله في ما تبقى له من عمر.. مات مخذولا من حلم العودة إلى كفرعانا، ومن قدر الموت حين الهجوع إلى الأسرة في عمّان.. اقتلاع من حضن الوطن، ثم اقتلاع من حضن الحلم، وأخيرا… اقتلاع من حضن الأهل… تلك كانت أسطورتك يا فهمي صابر غنام!

∗ جرح الكبد المكلوم خديجة أم فهمي هي حكاية جل الأمهات الفلسطينيات، إن لم نقل كلهن، قلبها مقبرة للألم، ودندناتها تغريدة عزاء وتَعْداد الْتِيَاع. متى كان الموت حزنا دائما؟ ألا تزغرد الثكالى وجموع المشيعين تحمل نعوش أبنائهن إلى المقابر؟ ومتى كان الغناء فرحا دائما؟ ألم تقض أم فهمي عقودا تغني لوعة التهجير من كفرعانا بترانيم مكسورة من رائعة وديع الصافي؟ www.arabsong.top/song. ألم يكن هو نفسه الانكسار المخضَّب بلوعة الفقدان مصوغا في تَعداد جنائزي داومت خديجة ترتيله حتى نهاية العمر:

على الله تعود بهجتنا والفراح يمّا

وتغمر دارنا البسمة والفراح يمّا

قضينا العمر ولف ضل وولف راح يمّا

وضاع العمر هجران وغياب يمّا

على الله تعود بهجتنا والفراح يمّا..

  ينسحب فهمي متعبا إلى مقبرة “سَحام” تاركا لهيبا من الثَّكَلَ أتى على الأخضر واليابس من عود خديجة، وحتى تقاوم الموت صبرا وعنادا أو استسلاما، حولت أغنية وديع الصافي الطافحة بالأمل في عودة الحبيب إلى رثاء ملتاع لفلذة الكبد:

إيه يمّا يا فهمي

إيه رحت وتركتني

يمّا يا شيخ الشباب

لو أشوفك جاي من الباب

تمِد إيدك وتوخذني

إمك ما عادت إمك

قاتلها موتك وهمك

يمَّا ريتو عزريين (عزرائيل)

تركك وأخذني

إيه يمَّا يا فهمي..

خلافا لسعد أردش، الذي «استخدم الغناء والحركات الأدائية المدعومة بالحركة العنيفة من أجل دعم الجانب التثويري لصالح القضية الفلسطينية».

في إخراجه مسرحية ” النار والزيتون”، فإن غنام صابر غنام يميل إلى الغناء الهادئ الحزين الذي يستقر في شِغاف القلب، حيث يستعيد صوت أم فهمي مقطعا من أغنية “على الله تعود” لوديع الصافي لونتْه بحالتها النفسية كفلسطينية لاجئة، يستبد بها حنين كفرعانا، أولا، وكأم ثكلى يمزقها رحيل فهمي صابر غنام، ثانيا.

∗جرح الخيانات والحرائق.. صابر حسن غنام أبو فهمي: ولَظلم ذوي القربى أشد مضاضة! ماذا ترك الرجل صاحب اليد الخشنة -من أقارب الأب الشيخ حسن غنام، والمُخبِر، ابن الجيران والحومة والبلد، الذي عذب ناصر صابر غنام- للعدو الإسرائيلي أن يفعل؟ تاريخ من الخيانة، والزور، والتدليس، والتعذيب الذي كان سببا في موت الأب احتراقا، وبدَل اللهيب اثنين: احتراق الجسد بنيران كومة عشب الحديقة وثياب بها نسبة من نايلون، واحتراق الروح بنيران اللوعة على تعذيب أصغر الأبناء بمخابر جرش، أسبوعين فقط بعد ليلة عذاب ناصر صابر غنام.

آخر عنقود أسرة تقاوم أصنافا من العدوان ومصادرة ما تبقى من صلات بكفرعانا. في جامعة اليرموك يبحث الشاب عن متنفس لأفكار الثورة، ويخمن رفقة لاجئي المخيمات الرابضة في إربد وفي عمان وضواحيهما عن صيغ النضال ضد الاحتلال، عن طرائق جديدة لشرعنة المطلب الفلسطيني، وعن طرق أكيدة للعودة من حيث بدأ النزوح منذ 1948، لكن الأرض من طبيعتها أن تنبت زهرا وشوكا، وبرتقالا وحنظلا… وأقسى ما يكسر عزيمة مشاعل الثورة أن يُطعن شرفاء القضية من أبناء جلدتهم الذين حولتهم خيانات الأنظمة العربية إلى جواسيس، ومحققين، وجلادين، وغلمان، وقتلة يبيعون قداسة القضية مقابل إغراءات مالية وأنانيات ضيقة.

يحكي غنام صابر غنام عن شجرة زيتونة مستزرَعة معمِّرة أكثر من خمسة آلاف سنة، حسب خبرة اليابانيين، توجد في قرية الوَلْجَة قرب القدس، حين زارها سنة 2011 رأى ثعبانا يدور حولها، وحين سأل، أخبره الأهالي بأنه حارسها. هنا يوزَّع السرد بين الأسطورة والواقع، ولا نقصد بالأسطورة، في هذا السياق، الفهم الشائع والمتداول بين عامة الناس بأنها محض كذب وأباطيل، بل نوظفها بالمفهوم الأنثروبولوجي الذي يحدده لها ميرسيا إلياد Mercia Eliade، بأنها “الحكاية التي وقعت في زمن البدايات”.

  فلا عجب أن يحمل الفلسطيني الأصلاني الزائر من حفرتها بعضا من تراب وقطعة حجر، لكن حين عبر إلى الأردن، وجد حقيبته فارغة من التراب، ومن الحجر، ومن الذاكرة الإلكترونية المليئة بصور وفيديوهات تؤرخ للثقافة الفلسطينية، وذكريات جولة مسرحية في جنين، ونابلس، والخليل، وبيت لحم، كانت بالمناسبة زيارة لمرابع الطفولة ومراتع الذكريات في لقاء مع الأهل والأصحاب.

            أتابع تفاصيل حكاية سرقة الحقيبة في منطقة التفتيش الإسرائيلية، فعادت إلى ذهني صور من جولتي السياحية لمبنى هيئة الأمم المتحدة في شباط 2017، حين كان لي حظ زيارتها بامتياز أكبر مقارنة بغيري من السياح، لأن مرافقي يشتغل مترجما فوريا بهذا المنتظم الدولي.

عبرنا إلى صالة الأَعلام، استعرضت بنظرة ثاقبة ألوان الدول بحثا عن العلم المغربي، بحدسٍ مواطِنٍ قادتني قدماي، بعد ثوان قليلة، إلى حيث ينتصب علم بلادي التي أحبها وأكرهها في آن. وكدأب السياح، أخذت صورا معه وقد تلاحقت في ذاكرتي آلاف الحكايات التي تجعل من وطني جنة وسعيرا يتواءمان كرها لا طوعا.

  بعد تحرري من مسِّ المواطنَة اللعين، انتبهت ثانية لاستطلاع هذه الرايات المنتصبة يمينا ويسارا. شاهدت العلم الإسرائيلي، وخزتني هيئته الثابتة بين باقي الأعلام، لم أحرك كامرتي لالتقاط صورة له، فسألت مرافقي، بتجاهل مقصود وغير مفسَّر لكل ما أعرفه عن تطور الملف الفلسطيني داخل دهاليز هذه المؤسسة الدولية، بشكل ربما بدوت معه، في نظره، ساذجة أو خارج التاريخ، لكنني لم أكترث لما سيشكل عني من انطباع، قلت:

  • أين العلم الفلسطيني؟
  • قضية فلسطين لم تحسم بعد..
  • لم تُحسم بعد أم لن تُحسم أبدا؟

  كمن أحس بتوجسي، أو بيأسي، أو بالمرارة المبطنة في سؤالي، اتجه بي إلى آخر المنصة الخشبية حيث تنتصب رايات الدول، وانحنى مشيرا بيده إلى ثقبين اثنين، وقال:

  • هنا سيكون العلم الفلسطيني، حين يُحل المشكل مع دولة إسرائيل، وهنا سيكون العلم التيواني حين تعترف به الصين.

      عبرنا ردهات واسعة نتحدث عن هذه القضية، ثم وصلنا متحف هيئة الأمم الذي يضم هدايا دول العالم لهذه المؤسسة التي أنشأها الكبار لترعى قضايا البشر. استحوذ علي فضول غريب لأكتشف ما تجود به كل دولة وأنا أتوقع أشياء واضحة وأخرى غامضة عصية على التصور، وكانت رغبتي الأولى أن أعرف ماذا أهدى المغرب لهيئة الأمم الذي تظل علاقته بها موصولة بين مد وجزر تقاريرها حول قضية وحدتنا الوطنية منذ 1975.

بدت لي تحف من قبيل لوحات فنية، ومنحوتات، ومخطوطات، وسجاد، فتأملت سور الصين، وتماثيل أفريقية، كل هذا  بدا لي عاديا.

تقدمنا بين الأروقة فوقف مرافقي قائلا:

  • تعالي لتري هدايا تستحق الرؤية!
  • جميل… كل هذه النفاسة!؟
  • أَعْجَبُ لهداياهم وأتساءل دوما: لماذا الدول الصغيرة هي دائما من يقدم تحفا نفيسة لهيئة الأمم؟

إنتبهت إلى أن مرافقي البريطاني، الذي يتواصل معي بفرنسية جيدة، لم يقل “الدول الفقيرة” وإنما قال “الدول الصغيرة”… يعني كيانات لا موطئ قدم لها بين الدول الكبيرة، كما يَعْرفهم مرافقي، وكما نعرفهم جميعا، وكما تعرفهم قرارات هذا المنتظم الدولي بما فيه مجلس الأمن. دول صغيرة! يا له من وصف قدحي، لكنه حقيقي!

  علمت أيضا، خلال جولتي، أن دولة عربية صغيرة هي التي أثثت نادي الدبلوماسيين بهيئة الأمم المتحدة، وتكلفت بقطع المفروشات والديكور والستائر والسجاد، والنجف.. لم ترحمني ذاكرتي المزعجة، إذ سرعان ما تلاحق شريط صور مآوي فقرائنا في أنقاض غزة، وفي مقابر القاهرة، ومخيم الزعتري، وأحزمة الفقر المحيطة بالدار البيضاء، وأطفال الأطلس يموتون بردا وجوعا في “أَنْفْگُو”، وتمتصهم شبكات داعش في تونس، والجزائر، وبغداد، وتطوقهم ملاجئ بيروت، وخرائب صنعاء… يا الله ما هذا البلاء!

وجعٌ أمّتي

وَجَعي أنتِ..

 كرهْتُك تترنَّحين حيْرى

على خرائط الحِنْث والخيانة

تفوح منك رائحةُ الموت الزُّؤام

مِلْءَ اليأس.. وملْءَ المدى..

 مِلءَ تواريخَ من نعيمِك الحرام

تبذُلين سجّادا من حرير ومن ديباج

وهدايا من ذهب ومن إبريز

طائية أنت يا أمتي وجعي

تقدِّمين الولاءَ لسفّاحيكِ على الدوام

ونحنُ، على قارعةِ النُّكران

إما تأكلُ الطيرُ من رؤوسِنا

وإما نجثو في سوقِ النِّخاسة

عبيدا.. رقيقا.. سبايا بلا أوطان

 تترنحين في سُكْرك الأبديّ:

  “هذا لكم! بعضٌ مما ملكت أيْمان السلطان”

أمتي وجعي

كم تستمرئين البذخ في مجالس الغدرِ

تطأطئين الرأس للعدوان

ارفعي نخبك لسماسرة الأعراض والأطيان

لا تخجلي! علَّمنا تاريخُك النَّزَوِيّ”

أننا سنبقى كالأيتام في مأدبة اللئامِ

وأنك أنت يا أمتي ستظلين وجعي

خبَّرني عنك مُرافِقي العجميّ:

تصمِّمين الأرائكَ من أَرْزنا الأطلسي

تزيِّنين الأرائك بفِضَّة الشام… بزجاجٍ عراقي

وقبل أن يجِفّ عَرَقُنا تُهلِّلين:

تفضلوا أيا سادة العالم الغربيّ

هذا مُتَّكَئِي لكم

يتبادل سادة العالم الأنخاب والمجاملات

يغادرون المتكأ بصكوك الخرائط والثروات

أيتها الخرائط الصغيرة المتْخمَة بالدولار

لن تظلي سوى نُهْزَةً في نوادي الكبار

أيتها الدول الصغيرة!

أيتها الأنظمة الحقيرة!

أتودُّون معرفة إحساسي لحظتها؟ شعرت بجسدي يفور بين تعليق مرافقي وبين ما أعرف عن معاناة بلدان التحف الذهبية من فقر المسحوقين، وتشييء النساء، ومصادرة الحريات… فقفزت إلى ذهني صور من شريط وثائقي حول ملياردير يلبس كوفية حمراء وعقالا، ويوزع، ذات مساء قائظ منحسر، أغلفة مالية في دروب البؤس المنتشرة في “جدة” تحت عدسات كاميرات صحافة مأجورة، وتذكرت أشياء وأشياء أخجلتني بيني وبين أمتي وجعي… خطونا غير بعيد وعقلي يشتغل دون توقف كلما أبصرت تحفة أبحث بسرعة عن اسم بلدها… وفعلا وجدت كلام مرافقي عين الصواب.

هل تعرف يا غنام صابر غنام لماذا حرمك جنود الاحتلال نعمة الاحتفاظ بحجرة زيتونة سيدي أحمد البدوي؟ وكيف خيبوا ظنك لتفرح بها مع أفراد أسرتك، لقد تصوروا أنك ستختار لها مكانا أثيرا في متحف مجلس بيتك ليظل حبلكم السري بالأرض المقدسة حيا موصولا؟ ألم تكن تلك نواياك؟

أنظر هذا.. لتعرف كيف يرسخون تشبثهم بأرض سرقوها، وكيف يُسوِّقون لحقهم المُدَّعَى في أرض الميعاد في كل محفل وفي كل مناسبة، ومن غير مناسبة حتى… حجر فلسطين لهم وحدهم.. الحجر الصلد وما أدراك ما الحجر الصلد! فالذي نجح في مصادرة حجرة صغيرة.. أفلح في نهب خارطة كبيرة.  إسرائيل تؤسس أسطورتها بالحجر الصلد… حجر الأرض التي باركنا حولها… ألم يخلد الإنسان آلهته وأساطيره بالحجر الصلد ليؤمنها ما بين السرمد والأزل؟

            أمام هذه القطعة الحجرية البيضاء الصلبة المُتَنَمِّرَة التي تبدو في جذرها بطاقة بيضاء، كتب عليها اسم “إسرائيل” داخل صندوقها الزجاجي المُؤَمَّن تماما كما التحف الذهبية الآنفة الذكر، وقفت طويلا أحاول فك دلالة النقوش، فما وصلت إلى يقين.. ربما شكْل من الهيروغليفيات أو العبريات القديمة المعروفة في منطقة الهلال الخصيب. وبتلقائية مستنفَرة، ربطت بين حجر المتحف وعلم إسرائيل الثابت في صالة الرايات وبين الثقب الفارغ في القاعدة الخشبية أقصى اليسار.

            قطعة الحجر الأبيض هاته ذكّرَتني بحجر أرياف الشام، في موقع أهل الكهف، وجرش، وإربد، وعمّان، وعلى الطريق الممتد منها إلى البحر الميت.. حجر صلد أبيض وشجر زيتون أخضر أخذ بمجامع حواسي ونحن في اتجاه البحر الميت رفقة فرقة مسرحية سودانية، أحببت طيبة أفرادها وبساطتهم منذ أول لقاء. حصل هذا ذات نوفمبر من 2013، خلال الدورة العشرين لمهرجان المسرح الأردني.

            على الطريق، يأسرني الحجر الصلد الأبيض في المباني والمرتفعات.. وشجر الزيتون الأخضر في الحقول والضيعات.. وعلى حين غرة أشاهد يافطة تشوير صغيرة: أريحا!

  يا الله هل كان منظر اليافطة المحتشمة على يمين طريقنا كافيا ليصب في كياني روافد من التاريخ الفلسطيني: الانحلال العثماني، والمد الإمبريالي البريطاني، ووعد بلفور، وحرب ثمانية وأربعين، ومسلسل النزوح، ومآسي اللجوء، وهزيمة سبعة وستين، وحرب الجولان، وصبرا وشاتيلا، وكامب داڤيد.. وقصائد فدوى طوقان، وسميح القاسم، ومحمود درويش، ومعين بسيسو.. وروايات غسان كنفاني، وإيميل حبيبي، و”صوت الثورة الفلسطينية طيلة سبعينيات وثمانينات القرن الماضي على أمواج الإذاعة الجزائرية أتابعه بجانب والدي، كل مساء، عبر مذياعه الترونزيستور الأسود (لست أدري هل ما زال هذا البرنامج يذاع حاليا أم توقف؟) وأردد أغاني الثورة وأناشيدها التي ساعدتني، فيما بعد، في كتابة قصائد ومقالات حول قضية فلسطين، شاركت بها طيلة سنوات 1972-1977، في عز سنوات الرصاص، ضمن إبداعات المجلة الحائطية والمسابقات الثقافية بإعدادية “سيدي عبد الجبار” في واحتي فجيج المنفية في أقاصي المغرب غير النافع، كما علمهم المستعمر الفرنسي أن يصنفوها، والتي ما تزال تعاني كل ضروب الإقصاء والجحود ونحن نعيش ما سموه عهد الاستقلال.

            لم أتمالك نفسي، خاطبت جماعة أصدقائي السودانيين:

  • انظروا! أريحا يا الله!
  • أريحا؟
  • نعم يا ماهر، ما رأيك أن نعبُر إلى أريحا ومنها إلى القدس؟
  • يا سلام، هذا حلم كل عربي!
  • حلم؟ لكنني أرغب في تحقيقه، وقتها لا تنس يا ماهر، أنني أكثر حظا منك في القدس، لدينا “باب المغاربة”، ولدينا عِشْرة طويلة من المقدسيين. حجيجُنا كان يختم زيارة الحرمين بزيارة الحرم الثالث، المسجد الأقصى، ويعود الحاج أو الحاجة بصورة له يعلقونها في بيوتهم..

            قلتُ كلامي مداعبِة صديقي السوداني، لكن بمرارة غائرة في شِغاف الانتماء لأنني لا أملك، في الحقيقة، شيئا من كل هذا الحلم عدا قصصا مخزونة في الذاكرة أعزي بها النفس من تاريخ مهين من الهزائم والنكسات.

            التقط سائق السيارة بعضا من دهشتي، وسمع حواري مع ماهر، فأضاف قائلا:

  • أريحا على بعد ثماني كيلومترات من هنا
  • وماذا يقتضي مني الذهاب إلى أريحا؟
  • تطلبين تأشيرة من السلطات الأردنية في عمان..
  • يا لخيبتي ويا لخيبة الزمن الذي اكتشفت فيه الطريق إلى أريحا!
  • في قادم الأيام إن شاء الله، ربنا كريم
  • إن شاء الله..

يا لخيبتي..

            لم يكن في الوقت متسع لكل هذه الإجراءات، ولكن عنقي ظل ممدودا إلى الخلف حتى أملأ العين والقلب من أريحا التي عشقتها من القصيد الفلسطيني، ورفعت أنفي ليأخذ أنفاسا عميقة عبر الهواء المتسرب إلي من نافذة السيارة.. أن توثق صلتك بالمكان عبر حاسة الشم تغريبة أخرى تُضاعِف استثارة الذاكرة حتى وإن أصابنا الخرس، والصمم، والعمى، وشلل الأطراف…

            هكذا يستبد المحتل بهذا الحجر ولا يترك أصغر قطعة منه في يد الفلسطيني الأصلاني، ويمعن أن يتخذه، عنوة، رمزا له في متحف أممي ليبلِّغ رسالات مموِّهة إلى مخططي الشأن الدولي، ولو أن فعله محض زور ولصوصية.

            ولأنني قضيت مدة طويلة أمام التحف الذهبية والحجرة الفلسطينية تحت مسمى إسرائيل، فقد انقضى الوقت المخصص لزيارة المتحف، وما علمت ماذا تكون هدية المغرب لهذا المتحف. وخرجت وقي القلب غصة.. وغادرت وفي النفس شيء من حتى..

3. أنات- عناة Anat السرد السيرذاتي: تصحيحٌ قبل التوثيق

وثيقة أولى:

«أقيمي في الأرض وئاما وابذري في التراب محبة واسكبي سلاما في كبد الأرض وعسلا في الحقول. لتسرع خطواتك نحوي فعندي خبر أقوله لك: حكايةُ الشجر، وهمسُ الحجر، وتَنَهُّدُ السماء إلى الأرض، ونجوى القمر إلى الكواكب»

                                                                            رسالة الإله بعل إلى الإلهة الكنعانية عناة.8 www.marefa.org

 

وثيقة ثانية:

أطوار أنَّات

الشعر سُلّمنا إلى قمرٍ

تعلِّقه على حديقتها كمرآة

 إلى عشاق بلا أملٍ

أناتُ

أنات أنا أريدكما معا، حبا وحربا، يا أنات

فإلى جهنم بي.. أحبك يا أنات

وأنات تقتل نفسها

في نفسِها

ولنفسها

وتعيد تكوين المسافة كي تمر الكائنات

أمام صورتها البعيدة فوق أرض الرافدين

 وفوق سوريا، وتَأْتَمِرُ الجهات…

الشاعر الفلسطيني محمود درويش9 https://www.youtube.com/watch

            صيانة لتاريخ أنّات أو عناة، يقدم غنام صابر غنام إشارة توضيحية حين يكرر ذكر اسم قريته الموصول بأسطورة هذه الإلهة. فكلما نطق كفرعانا يحرص على إعلاء المد حتى السماء: ” كفرعانا” وليس “كفرعانة” بالتاء المربوطة. (للأسف هذه الصيغة الإملائية هي المهيمنة في مواقع الشبكة العنكبوتية) قد تنحرف بالمتلقي إلى تأويلات مجانبة للمصدر الأسطوري للتسمية، وتحنطه في دلالته الجسدية الجنسية الضيقة.

 

    فانتماء قرية الفنان إلى زمن الآلهة ودهشة أساطير بلاد الرافدين، في الزمن الأول للخليقة، يشحن كل ما في العرض بأصوله المقدسة، ولن نفهم أبعاده إلا في ضوء هذا الموروث الموغل في بدايات الحضارة البشرية.

4. مسرحٌ عارٍ.. مسرح يتحرر من زيف التاريخ وتَطْريّة الواقع

            يتعاقد الفنان غنام صابر غنام، مخرجا وممثلا، مع جمهوره على صيغة تقديم عرضه من دون أية إضافات أو ترتيبات لمساحة العرض كما هو الحال في مسرح تغذيه فنون أخرى. ونكتشف – منذ ولوجنا رواق محمد الفاسي، ورؤية شكل مساحة اللعب الدائرية التي بدت متداخلة مع مساحة الجمهور- أننا أمام فضاء فارغ Espace vide، بمفهوم بيتر بروك، و«هو”مُعدٌّ لأن يمتلئ” بالقوة بصريا وصوتيا»10 وأن الممثل-المخرج اختار تجربة المسرح-المختبرThéâtre laboratoire  كما اشتغل عليها جيرزي غروتوفسكي بالتدريج، ليؤسس بها نظرية مسرحه الفقير الذي يقتضي علاقة مُسَارَّةٍ بين الممثلين والمتفرجين، ذلك أن «واحدا من أسس النموذج الكروتوفسكي، هو السِّريّة. وحدهم المتفرجون الذين تحركت دافعيتهم بعمق هم الذين يملكون حق الولوج إلى “تجارب” مسرح المختبر»11. وانسجاما مع هذا التوجه، لم يقدم غنام صابر غنام عرضه في مسارح مفتوحة الشبابيك أمام جمهور عام، لكن إعلام حسن النفالي عددا من الفنانين والباحثين المسرحيين المغاربة بمواعيد عرض الدار البيضاء والرباط، أفرز جمهورا استهدفه عرض “سأموت في المنفى” لغايات فكرية وجمالية محددة.

            لم نشعر بصفتنا متفرجين فاصلا فضائيا بيننا وبين الممثل، فالجمهور مدعو للمساهمة في الحكاية السيرذاتية متى شاء، بكل حرية «لأن هذا المسرح نفسه، يحاول اكتشاف هذه القارة الغامضة التي هي العلاقة بين الممثل والمتفرج. علاقة اتصال تقتضي من كل ممثل أن يقيم مع كل متفرج رابطا شخصيا متفردا»12 ولهذه الغاية، كما يُبرز جان بيير رينهاريتRyngaret J.P ، فإن عدد المتفرجين لن يتجاوز، في أقصى الحالات، ستين فردا. وقد يتحقق العرض بممثل واحد ومتفرج واحد حيث «يتحمل كل منهما دوره ووظيفته تجاه الأخر، هذا الاحترام المتبادل لـ “تعاقد” اللعب  Contrat de jeu لا مناص منه حتى لميلاد المسرح»13.

            بالإضافة إلى إلغاء كل مظاهر الغنى والبذخ السينوغرافي التي يستعيرها المسرح من باقي الفنون، ليحتفظ بما هو جوهري فيه: جسد الممثل وعين المتفرج الجوهر الصرف لمفهوم التمسرح Théâtralité، فإنه يراهن على شيء أعمق يرتبط بجوّانية الممثل حين «يرفض، في ذات الوقت أن يمّحيَ وراء الشخصية ويتلاشى فيها. إنه لا يسعى أبدا إلى الاعتقاد بوجوده أنه حي..»14 بمعنى أن يقف الممثل عاريا وجها لوجه مع نفسه، وأن يكاشف ذاته المختلطة، والمزدوجة، والمنفصمة بكل شجاعة ووضوح ليتبين هل ثمة خطوط فاصلة بين غنام صابر غنام الأصل وغنام صابر غنام بدل فاقد، و«يجب عليه أن يبلغ هذه الانكشاف الشخصي»15 دون مواربة، أو وجل، أو مداراة لأن الواقع المنتهَك يتطلب شجاعة أسطورية لابتلاع حقيقة الوضع التاريخي والإنساني والوجودي المحدق بمن لا زال محكوما بالحياة في المنفى، ويفترض موتا مؤلما في هذا المنفى، ما دام شاهد القبر في مقابر عمان أو سيناء أو جرش أو بيروت أو غيرها من مدن الموتى عبر العالم ستوثق موت فلسطيني خارج بلده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

            حرص مخرج المسرحية على شيء أساس يخص التحرر المطلق من وطأة مؤثثات فضاء اللعب كليا، وارتهن، حتى في تعامله مع واحد من الكراسي المخصصة لجلوس الجمهور، على مبدأ “الاقتصاد السيميائي للعلامات” كما يتصوره كير إيلام Keir Elam، حين « يخصص الممثل نسبة كبيرة من عمله اليومي لإنتاج علامات مهمتها الرئيسة أن تقوم مقام مكونات الديكور»16 ويشترط في هذه العلامات أن لا تكون كثيرة بقدر ما تكون قابلة للتحول ومشتملة على عامل الحَرَاكة Facteur de mobilité في التمثيل المسرحي الذي «يعود إلى قابلية تبادل العناصر المسرحية فيما بينها، ويعود كذلك إلى الاستبدال المتبادل لأنساق العلامات أو الكودات»17 الأمر الذي حذا به نحو مضاعفة دلِّ الكرسي Doublement de signification، فهو أولا، حقيبة سفر، وثانيا، منصة يعتليها السارد ليبلِّغ خطابا، وثالثا، نعش الجد الشيخ حسن، ورابعا، قبر فهمي صابر غنام، وخامسا، مجلس أم فهمي الثكلى، وسادسا، الكرسي المتحرك الذي يجلس عليه أبو فهمي مبتور الساق بسبب داء السكري في الحديقة لحظة موته احتراقا، وأخيرا القبر الافتراضي لغنام صابر غنام.

            يشكل صوت الممثل واحدة من العلامات السيميائية المشتغلة بقوة في تكثيف الأدوار، وتبديلها، ومناوبتها، ومقابلتها بما استحضره في سرده من حوارية Dialogisme حيث «لا يقوم الجدال بين الشخصيات فقط، بل نجد بين مختلف التيمات صراعا، إذ تُؤَوَّل الأحداث بشكل متنوع، وتتناقض الشخصيات»18، كما يحدث في مشهد تجريد الطفل اليتيم داخل مجلس “عمي القاضي” بيافا، وفي مشهد تلقين غنام صابر غنام يوم يموت في المنفى في الحوار المتصارع بين الملقِّن ومن سيحضرون الجنازة. وبروز تعددية الأصوات Polyphonie في مسرود العرض بواسطة حَبْكِ نسيج متشابك يتداخل فيه صوت الطفل بصوت العجوز، وصوت أم فهمي الأم بصوت أم فهمي الثكلى، وصوت المخبر بصوت ناصر ثم بصوت الأب، وصوت غنام صابر غنام بصوت شرطي جسر الحسين، وصوت المثقف اليساري الشيوعي بصوت الملقن حفار القبور، وأصوات الابن والبنتين الأحياء بصوت جثة الأب المدفون يوم زيارة “فكِّ الوحدة” مباشرة وعبر الوتساب… حتى إن هذه المونودراما السيرذاتية الممزقة بين الواقع والخيال، وبين الكائن والممكن، تحولت إلى عالم ضاج بالوجوه، والحيوات، والمواقف، والمشاعر، والانثيالات، والخيبات، والصراعات، والمفارقات، والاحتمالات التراجيدية إلى ما لا نهاية..

            على مستوى آخر، تتحول الكوفية الفلسطينية بوصفها علامة من «كودات اللباس، وواحدة من الكودات الثقافية التي تتدخل في إدراك العرض وتَلقِّيه، لما تحمل من دلالة بالتضمن»19 إلى خريطة الأرض المحتلة، يرسم عليها الممثل، بكوداته الكينزية، حكاية التهجير من كفرعانا إلى أريحا. وهذه الدلالة بالتضمن لا تعني لغنام صابر غنام مجرد تحديد نقطة ثابتة على سطح الخريطة غرب يافا، ولكنها دلالة متضمنة ومتجذرة في خلايا سيرته الذاتية، ومستزرَعة، مثل زيتونة سيدي أحمد البدوي، في جوّانيّته الموزعة عشقا وألما بين ربوع تراب الوطن المحتل.

            هل تحملني أم أحملك؟

            هذه الكوفية-الخريطة التي لا تغادر عنق غنام صابر غنام لا صيفا ولا شتاء، تتحول إلى ديْن مربوط برقبته إلى يوم يبعثون. لكن، أليست خريطة الوطن هي من تحمل أبناءها على أكتافها، وتتجشم عبء وجودهم على صدرها أفراحا وأتراحا؟ ربما يستقيم هذا الطرح المنطقي بالنسبة إلى كل الخرائط، باستثناء خريطة فلسطين التي أوت، كرها وغصبا، يهود الشتات وشتتت، في المقابل، أبناءها، فصاروا يحملونها وزرا عل الأكتاف والأعناق، وجرحا في القلوب وحلما في الأحداق.. يحلمون بيوم آت يتمرغون فيه على ترابها، ويعيشون بين أحضانها حكايات العشق، ويبنون لهم بيوتا من حجرها الأبيض الصلد، ويستزرعون زيتونا في كل ربوة وحقل، ويشهرون رماحهم في وجه كل معتد أثيم.. أليسوا أحفاد الفنيقيين ومُبجِّلي عناة إلهة الحب والحرب والخصب والحنان؟

            نتساءل، بعد تلقي هذه المونودراما، على الأقل، في بعديها التواصلي والتداولي، عن إمكانية تصنيفها داخل إحدى هذه الخانات التي خلصت إليها دراسة تقول إما أن «يأتي العرض المسرحي ما بعد الكولونيالي على ثلاثة أشكال على وفق أفعال المناهضة الثقافية: أفعال التدويم والابتعاث، أو أفعال الوعي بأشكال الإيصال، أو أفعال الاستجواب وتحرير التمثيل الكولونيالي»20، أو أنه عرض يحتمل جزءا أو كلا من هذا الاستنتاج، ولربما أنه يَحْبُلُ بأفعال إضافية وغير مسبوقة، في إصرار حتمي بهدف مواجهة الفكر الكولونيالي الصهيوني، الذي ما فتئ يطور استراتيجياته الاستيطانية، ومخططاته الإرهابية ليقصي أبناء الأرض الأصلانيين من حقهم في الحرية، ويحرمهم من حلمهم في العودة كُلٌّ إلى كَفره، أو بيته، أو ديره، أو خربته، أو واديه، أو حقله، أو حجره، أو زيتونه…

            يبدو أن “سأموت في المنفى” تمتص هذه الأفعال جميعها، بل هي منذورة لامتصاص أفعال غيرها، تستمدها من خصوصية رؤيا مستقبل القضية الفلسطينية التي لم تُحسَم بعد لصالح الشرعية التاريخية، ومن صيغة الوعي الشقي بالنسبة إلى المبدع الفلسطيني الأصلاني الذي يكابد تجربة الانتماء إلى أوجاع الأرض المقدسة واقعيا وجماليا، ماضيا، وآنيّا، واستباقيا.

شهادة الختم

            في أية بقعة من العالم تُعرض فيها مسرحية “سأموت في المنفى” لا أشك في أن الجمهور سيدخل بجنسية بلده، لكنه سيخرج بعد العرض وِجْداناتٍ من كفرعانا…

            لن تموت في المنفى يا غنام صابر غنام، لك العمر وأعراس العودة إلى بيت صابر حسن غنام… فما زال في الأرض المقدسة “أشياء تستحق الانتباه” كما قال محمود درويش، وما زال في العمر أشياء تستحق الحياة، ما دام الصمود الفلسطيني مرابطا داخل هيئة الأمم المتحدة يصارع كل مخططات التهويد ليدحض مزاعم الاحتلال الإسرائيلي، وتعود الأرض إلى أبنائها الشرعيين، فيُمْلأُ الثقب في أسفل الخشبة داخل صالة الأَعْلام في مبنى المحفل الأممي.

            أن أفرح، داخل غاليري هيئة الأمم المتحدة، ببريق الخزف الفلسطيني متوهجا بين باقي تذكارات العالم، متبادلا الود، عن قرب، مع الخزف المغربي، فينتصب عريقا صامدا في وجه تحف ممسوخة لا ملامح لها، يعني لي وللمؤمنين بالشرعية التاريخية الشيء الكثير. وكم أودّ أن تُعاد كتابة اسم PALESTINE بخط أكبر، وترتفع البطاقة البيضاء من أسفل الرف الزجاجي إلى أعلى حتى يراه العالم بارزا وعظيما، رافعا قضية أرض ومبشرا بحرية شعب.

            أيُّ ذاك الثقبُ الفارغُ في جذر المنصة الخشبية بصالة الأعلام الذي يحرم زائرا مثلي حق شراء علم-تذكار فلسطيني كما يحق مع باقي الأعلام، لن يظل فؤادك فرغا، غدا سينتصب فيك العلم الفلسطيني شامخا حد البهاء وحد السناء، فلا يموت فلسطيني في المنفى… فَتَحْتَ زيتونة سيدي أحمد البدوي مساحة لهجعة الموت، وحلم وجوه مستبشِرة ببعث مهيب على الأرض المقدسة طاهرة مُطَهَّرة.

هوامش الدراسة:

حرصت في هذه الدراسة على كتابة قرية كفرعانا بهذا الشكل اهتداء بالاسم الأصلي للإلهة “عناة“، وتصحيحا لخطأ كتابتها “كفرعانة” في معظم مواقع الشبكة العنكبوتية

  1. د. محمد كريم الساعدي- الإشكالية الثقافية لخطاب ما بعد الكولونيالية (المسرح أنموذجا) جدلية الضد الثقافي لأفعال الكولونيالية الجديدة– أفكار للدراسات والنشر والتوريع- دمشق، سوريا- دار الفنون والآداب للطباعة والنشر والتوزيع- البصرة، العراق- الطبعة الأولى 2016- ص 141.
  2. المرجع نفسه، ص 141.
  3. إدوارد سعيد- الثقافة والإمبريالية– نقله إلى العربية وقدم له: كمال أبو ديب- دار الآداب- بيروت، لبنان- الطبعة الأولى 1997- ص 17.
  4. حسام أبو العوايد العمري- عائلات وحمائل كفرعانا قضاء يافا- النسابون العرب alnassabon.com (زيارة بتاريخ 01/06/2018).
  5. أغنية “على الله تعود“- وديع الصافي- arabsong.top/song (زيارة بتاريخ 06/06/2018)
  6. د. محمد كريم الساعدي- الإشكالية الثقافية لخطاب ما بعد الكولونيالية (المسرح أنموذجا) جدلية الضد الثقافي لأفعال الكولونيالية الجديدة- مرجع مذكور- ص 141.
  7. تم التقاط الصور الواردة في البحث خلال زيارتي مقر هيئة الأمم المتحدة في فبراير 2017. وأنوه إلى أن ظهوري في بعض منها يخدم بعدا توثيقيا وتأكيديا لواقعية الزيارة، وذلك دفعا لأي ظن.
  8. https://marefa.org (تاريخ الزيارة 01/06/2018)
  9. https://www.youtube.com/watch (تاريخ الزيارة 09/06/2018)
  10. كير إيلام- سيمياء المسرح والدراما– ترجمة: رئيف كرم- المركز الثقافي العربي- بيروت، لبنان- الطبعة الأولى 1992- ص 88.
  11. Jean jacques Roubine-Introduction aux grandes théories du Théâtre -ÓBordas, Paris, 1990- P, 160.
  12. Ibidem – P, 160.
  13. Ibid – P, 161.
  14. Ibid – P, 162.
  15. Ibidem – P, 162.
  16. كير إيلام- سيمياء المسرح والدراما– ترجمة: رئيف كرم- مرجع مذكور- ص 24.
  17. المرجع نفسه، ص 25.
  18. سعيد علوش- معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة (عرض وتقديم وترجمة) مطبوعات المكتبة الجامعية- الدار البيضاء- الطبعة الأولى 1984- ص 46.
  19. كير إيلام- سيمياء المسرح والدراما– ترجمة: رئيف كرم- مرجع مذكور- ص 89.
  20. د. محمد كريم الساعدي- الإشكالية الثقافية لخطاب ما بعد الكولونيالية (المسرح أنموذجا) جدلية الضد الثقافي لأفعال الكولونيالية الجديدة- مرجع مذكور- ص 186.

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق