الرئيسيةمسرح

رحلة العقل الى الجنون في مسرحية: أمكنة اسماعيل

كتب أ.د. عقيل مهدي يوسف عن عرض مسرحية أمكنة اسماعيل

تأليف: هوشنك وزيري.. إخراج: ابراهيم حنون

بغداد  لموقع فلاش زومين: ماجد لفته العابد: تصوير ليث ماجد

يذهب نص “أمكنة اسماعيل” الى بنية مغلقة ، تنسج من خلال احلام بطل العرض، وهو يعاني من اضطرابات نفسية سببها ملاحقته من قبل قوى مجهولة ومعلومة ايضا، ولكن يجري التستر على الافصاح عنها علناً، لامتلاكها القوة الباطشة، والسلطة القمعية المميتة بطل العرض (تمثيل رائد محسن) نجده رهين بقعة دائرية يدور فيها حول نفسه منذ بداية العرض، لتتوسع اطرافها المحيطية، فتشمل (قاووش) المستشفى، وحجراتها، وممراتها، ويطل من خلفه حشد من المجانين، من (5) اطارات، لابواب فارغة، سوى من توهماته المرضية المجنونة، وعلى طاولة جانبية، تحتشد فيها (غيلان) بشرية، يتراكم فوقها مجانين، يطلون عليه تارة بأقنعة مخيفة، وتارة اخرى، من خلال قطعة قماش “مثقوبة” على مقاس وجوههم التي يحشرونها فيها، وحين يتم الحوار المفترض الكابوسي مع طبيب المستشفى (تمثيل: باسل شبيب)، والممرضة (كاترين هاشم) وهو يحاوره، ثم يتركه ثانية مع هؤلاء المرضى وهم يشكلون كتلة بشرية متراصة، قابعة تحت كثافة دخانية ملونة، فيرتعب (البطل) مرات، ومرات، ثم يفجر مكبوتاته وانسحاقه الجنسي تجاه الممرضة التي يظنها بأنها زوجته تخبره بأنها لاتمت له بهذه الصلة المزعومة في اوهامه عنها، التي يختلقها لنفسه، وانها عادت ثانية للمستشفى بعد تركها لها، لانها نسيت حقيبتها هناك. البطل، يظهر وكأنه في أحايين عدة، مدركاً لحقيقة جنونه، وحين يخبره الطبيب بتعرضه لتعذيب البوليس ومعاملته العقابية بوصفه “سجيناً” سياسياً، تراه متصدياً لمثل هذا الاتهام الشنيع! وينكر تعرضه للتعذيب، وتستمر هذه المماحكاة مابين (البطل) وما يحيطه من كائنات بشرية وسرعان مايحدث الخلاف والتصادم بين الجانبين، ويتطور عدم الاتفاق هذا، مع تتابع الاحداث، فتحتدم الحوارات، فتظهر (أزمة) يفتعلها البطل بانكار جنونه، وهو يختلقه، لكنه يؤكد بأن في دماغه شيئا يظن اشبه بشريحة معدنية، استبدلت بها دماغه الانساني، الطبيب، يفند مثل هذا الادعاء وتخبره الممرضة بأنها مثلت معه دور الزوجة مراعية لحالته النفسية المتدهورة، وساعية لشفاءه.

أداء الممثلين، الرئيسيين كان منضبطا، وجمالياً، في الالقاء الواضح المعبر، والموحي، وكذلك في البعد الحركي، والاشاري، واسعفتهم الاضاءة والازياء، والموسيقى والديكور من قبل التقنيين (الربيعي والنقاش وقاسم) وكذلك حسن ادارة المجموعة الشبابية المبدعة (شوقي، علي، طه، حيدر، نهاد).

البطل رائد محسن هو مركز الثقل في العرض، ومعه باسل، وكاترين، كان يأتي بأدلة على سلامته العقلية والنفسية، فتنقلب الى ضده، ومنها – مثلاً – انه يستدل على انهم في فصل الشتاء، وليس الصيف، بدلالة ارتداءه (المعطف)! وقطعا هذا الدليل مصطنع ومتهافت بالطبع. ثم يتنوع اداء (رائد) بطريقة مؤثرة، مبدعة، وهو يؤدي مراتب دوره، وتحولاته، ويخوض احداثا معقدة، ويتصارع مع كوابيسه ومع مجانين عوالم جنونه التي يتخيلهم يقبعون فيها، ثم يتعزز التشويق فالكل ينتظر الى اين ستقودنا هذه المواقف المزدحمة، وكيف سيكون مآل هذا البطل اللبق في فصاحته، والناكر لخرابه العقلي واضطرابه النفسي، في آن واحد!

ثم يمهد المخرج (حنون)، انشاء مناظره التكوينية، وتركيبها بدراية حاذقة، ومهنية، تنمزج مشاعر، وايقاعات البطل الداخلية، بمنظورات بصرية مؤثرة وجذابة، ليقسمها الى محاور: (الفرد) البطل- ومحور (الطبيب والممرضة)-، ومحور(المجانين) – تمهيداً لذروة العرض، التي تركبها الافكار المشوشة، والحوارات المتقاطعة، الجامحة الجنون، الملتبسة بعقلانية كيسة، ثم تعصف ببنيانها هذا، زلزلة كاملة، وتقذف بالبطل وبلا رحمة، الى مكان مجهول مرعب!

الممثلون البارعون جميعا، اسندوا دور البطل (رائد محسن) بأدوارهم، واستكملوا حضوره المادي، والمعنوي، فوق الخشبة وجرت تداولية اللغة الفصيحة، حتى في تشوشها لترسخ، طابع العرض العام، ولمسات مخرجها (ابراهيم حنون) بتحفيز بيّن على طبيعة (تلقي) الجمهور المتحمس لها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

أكتب تعليقك هنا

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: