الرئيسيةحوارات

الناقد المسرحي الدكتور أحمد شنيقي:”يجب تحرير الجزائر من الممارسات الاستعمارية لبناء مشروع ثقافي متكامل ومتجانس”

يدعو الناقد المسرحي، الدكتور أحمد شنیقي إلى ضرورة فتح نقاش حول الثقافة والمسرح وعلاقة الثقافة بالمجتمع وبالسیاسة، وذلك بإشراك الجهات المعنیة جمیعها، من دون إقصاء لأي طرف. ودعا شنیقي في هذا الحوار إلى إعادة النظر للمؤسسات المسرحیة التي یغیب عنها التكوين والتسییر الجید، للتخلص من أزمة المسرح في الجزائر، كما تحدث عن النخبة المثقفة ودور المثقف في المساهمة في بناء مشروع ثقافي
متكامل ومتجانس وغیرها من القضایا التي تخض الثقافة والمسرح والسیاسة.

أزمة المسرح في الجزائر سببها غياب تسيير جيد وتكوين في المستوى.

بدایة، هل ما زال بالإمكان الحدیث الیوم عمّا یسمى بأزمة المسرح في الجزائر؟

أنا أقول إن هناك فجوة عمیقة جدا في الحقل الثقافي في الجزائر، كما في الحقل السیاسي، إذ لا یمكن عزل الثقافي عن السیاسي. ھذه الفجوة موجودة في ظل غیاب مشروع مجتمع وفضاء مواطنة. في العشریتین الأخیرتین سجلنا تراجعا كبیرا في المجال المسرحي والثقافي بصفة عامة لأن النظرة الجدیدة لوزیرة الثقافة لیست نظرة بعیدة المدى، ولیس لها تصور عام، وذلك مردّه غیاب الذكاء في خلق مشروع الثقافة، فوزیرة الثقافة تخلط بین الثقافة والمھرجانات، إن الثقافة تُسیَّر في الجزائر الیوم في وسط تغیب عنھ الدیمقراطیة، تسییر الثقافة یتم بنظرة أوتوقراطیة ما دام ھناك لحد الآن ما یسمى ب “مدیریات الثقافة” فما هو دور المجالس المنتخبة إذن؟ مع أنني أفنّد ما یسمى انتخابات في الجزائر كل انتخاباتنا مزوّرة، والذي علّمنا التزویر هو الاستعمار، وأنا من موقعي هذا أنادي بتحریر بلادنا من الممارسات الاستعماریة، حینها یمكننا الحدیث عن مسرح وعن منافسة شریفة بین الأعمال المسرحیة. في بلد مثل الجزائر، لا یمكننا الحدیث عن وجود مسرح سلیم في مؤسسات غیر سلیمة، فالنصوص موجودة ولكن لا علاقة لها بالواقع، في خضم هذا كله كان هناك حماس كبیر لدى الجیل الأول من المسرحیین الجزائریین مثل مصطفى كاتب ومحمد بودیة لتغییر هذه الأمور لإعطاء مسرح جزائري جدید، وتكلموا وقتها عن ما سموه “تأمیم المسرح” مع تحفظي على هذه التسمیة، وكلها كانت محاولات جیدة، وقتها كان متوسط الجمهور یصل إلى 402 متفرجاً العرضَ، وكلهم یشترون التذكرة، هذا كان بین 1963 و1965 ، أما الیوم؛ فالعروض تقدَّم في مسارح فارغة، وهذا بأكمله راجع للتسییر السیئ جدا للمؤسسة المسرحیة في الجزائر، لأن العقلیة المسیرة جعلتھا مؤسسة اقتصادیة، لا توجد مؤسسة مسرحیة تسیر بمقاییس سلیمة في التسییر في بلادنا، فهناك مدراء مدى الحیاة، مدراء لا یملكون مشاریع واضحة الأهداف، ولا یحاسبون.. هذا ما أدى إلى استفحال الأزمة، هذا بالطبع، إلى جانب عنصرٍ ثانٍ مهم هو التكوین، فلا وجود لأشخاص مكونین في المسرح في الجزائر، أذكر أنه في الستینیات والسبعینیات كان ھناك مسرحیون كبار یستقدمون من أوروبا لتكوین الجزائریین، وكان هناك جزائریون ذهبوا لیكونوا في أوروبا وأمریكا أیضا. نحن بحاجة إلى إصلاح جذري للمؤسسة المسرحیة، وللمؤسسة الثقافیة عموما، وبحاجة ماسة للاهتمام بالتكوین في المجال المسرحي بالطریقة التي كان یتم بها في الستینیات والسبعینیات، لیس كالتكوین الذي یقوم به القائمون على المسارح الجهویة مثل عنابة، تیزي وزو وباتنة … ھذا التكوین مضحك، نحتاج لإعادة النظر لهذه المؤسسات التي یغیب عنها التسییر الجید والتكوین لنتخلص من أزمة المسرح في الجزائر.

تشهد المسارح الجهویة حركات تغییر مختلفة استهدفت مسیریها.. ولكل مسیّرٍ قضیته، الشيء المشترك بین هذه القضایا هو انتفاض الفنانین والعاملین بهذه المسارح ضدهم. كیف تقرأ هذه الأحداث؟

أبدأ بالفنانین الذین انتفضوا، هم مسؤولون برأیي أیضا، هؤلاء الفنانین انتفضوا بعد أن انتهت الأموال التي كانت توزع عليهم، ھم غیر منفصلین عن هذه الأزمة في التسییر أیضا، أنتقل إلى المسیرین، أستغرب من أشیاء لا تحدث إلا في الجزائر، أن یكون مسیر مؤسسة مسرحیة مدیر إنتاج في مسرحیة ینتجها مخرج في المؤسسة التي یشرف على تسییرها، ھل هذا شيء معقول؟؟ نجد كذلك مسارح مغلقة طوال السنة، ثم تنظم مهرجانا.. ماذا تقدم فیه؟؟؟ والمضحك أن تجد كذلك – وهذا لا یحدث إلا في الجزائر – مدیر مسرح ینشئ تعاونیة خاصة للإنتاج المسرحي!!! الكل مسؤول ما دمنا لم نصل بعد إلى الحدیث عن التسییر الجید وما دام المسرح لا یؤدي وظیفته الفعلیة وما دام قطاع الثقافة یسیر من قبل أناس لهم نظرة ضیقة للأمور التي تخص الثقافة لأنهم لیسوا أهلها.

المسرح في الجزائر وفي الوطن العربي بدأ بالسرقة.
يكاد یكون الاقتباس سجنا یكتم أنفاس المسرح في الجزائر. ھل تتفق مع هذا الرأي؟

المسرح هو قبل كل شيء اقتباس، لا وجود لإبداع في المسرح، ولا في الفن، كل ما نفعلھ سرقة عامة كما یقول (رولان بارث) و(بورجاس)، وكما قال (غابرییل غارسیا ماركیز) : ” أنا نتاج عشرة آلاف عام من الأدب”. نحن نعید إذن إنتاج ما تلقینا، أذكر مقولة شهيرة لماركیز حینما اتهمه (استوریاس) بأنه سرقه، قال فیها: ” كلانا سرقنا نفس الكاتب، سرقنا روایة “بیدرو بارامو” لـ (خوان رولفو) الذي ینتسب إليه كل ما هو واقعیة سحریة. المسرح في الجزائر وفي المشرق بدأ بالسرقة، أنا هنا أتحدث عن كلمة لا أحبها هي (التناص) عمر هذه السرقة في المشرق منذ الثلاثینیات، حتى مسرحیة (علي بابا) لتوفیق الحكیم ھي إعادة كتابة (بوسناك) و(فونلو). حتى الیوم نعرف أن السرقة الأدبیة تختلف عن الاقتباس، یوجد في الجزائر وفي الوطن العربي ككل سرقة ولیس اقتباسا، ما یقدم في مجال الدراما وللركح ینجز في وقت قصیر جدا، الأمر مضحك للغایة، هي أعمال لا تحمل قیمة ما دامت لا تقیّم الفن وتختصره في وقت قصیر. أنا وقفت على هذا الواقع المزري للثقافة والفن في الوطن العربي من خلال كتاب ألّفته حول حقیقة الثقافة والمسرح في الوطن العربي. ویمكن أن أستثني ما كتبه سعد لله ونوس وعبد القادر علولة وكاتب، فما كتبوه هو اقتباس من القصص الشعبیة واستعمال لبريخت في مسرحیاتهم.

وأطلقت على المسرح اسم “الفن المستعار” لیقینك التام بأنه غریب عن المجتمع الجزائري، ھل تسمیتك هذه رفض لفكرة تأصیل المسرح؟

هناك أطراف كثیرة سارت في هذا الاتجاه – تأصیل المسرح – ووصلت إلى الفشل، حتى في أوروبا التي بدأت منها فكرة تأصیل المسرح – باعتبار أن المسرح والثقافة إغریقیان جاءا إلى أوروبا عن طریق العرب أنفسھم – المشكلة في البلدان العربیة كلها هو أن من یكتبون عن المسرح لا یفقهون فیه شیئا، لا یعرفون تاریخ المسرح جیدا، أقول كلھم ولا أستثني أحدا، ولیرفض من یرید أن یرفض كلامي. نداءات التأصیل كانت مع الحكواتي وغیرها وكلها جاءت من أوروبا، من التجارب القدیمة لـ (آرتو)، أنا أعترف أن هذه التجارب جیدة، كتجارب (علالو)، و(ریحاني)، لقد كان (كوردورو) یشجع الناس للذهاب للثقافة الشعبیة، فحذا حذوه مسرحیونا حینها، كذلك الإنتاج الجماعي فكرة جاءت من أوروبا، نحن أخذناه من التجارب
الفرنسیة، الإسبانیة والأمریكیة، كانت الحركة نشیطة وفیها جدید لأن التكوین كان مستمرا، هؤلاء الناس لیسوا موجودین الآن، علالو وعلولة وكاتب وغیرهم في البلدان العربیة ما زال عندنا عساف، أما في الجزائر فقد مات الجمیع، لذلك لا بد أن ندرس الیوم علولة وبشطارزي، والحاج عومار وكاتب یاسین وعلال محب ونكوّن المسرحیین جیدا، ونستمر في تكوینهم من دون قطیعة مع هؤلاء الذین كان لھم تكوین كبیر ومهم للغایة في المسرح. أعود إلى نقطة التكوین هنا، فالتكوین مهم، ویجب أن یكون یومیا، فرأسمال الممثل هو جسمه وصوته وإن لم یكن كل ممثل یؤمن بهذا ویطبقه في هذه مأساة حقا.

كیف تقیّم الحركة النقدیة المسرحیة في الجزائر وفي الوطن العربي، وھل بإمكاننا الحدیث عن مشروع نقدي مسرحي مكتمل الأدوات والمناهج والمعرفة المسرحیة؟

المشكلة الموجودة في البلدان العربیة ھي أن هناك دراسات نظریة استعملت فیها أدوات خارجیة كالسیمیائیة ولا وجود لنقد حقیقي بأدوات مواكبة لما یقدم من جدید في المسرح. لا أرى في الدول العربیة نقادا واكبوا الحركة المسرحیة العربیة.. مثلما هو حاصل في أوروبا، أغلب الذین یكتبون عن المسرح في الجزائر وفي البلدان العربیة لا یمتلكون معرفة بالمسرح وبتاریخه وبالاتجاهات المسرحیة في العالم، وأن یكونوا متتبعین للمستجدات التي تطرأ على الحركة المسرحیة في العالم. عندنا قفر كبیر في هذا المیدان، سواء كان نقدا جامعیا أو في الصحافة.

 ما رأیك في الاستعانة بالتكنولوجیا في العرض المسرحي واستخدام الكوریغرافیا؟

أنا أرى أن هذا أمر جید إن كان الغرض منه تسهیل العرض، كل واحد حر في استعمال هذه الجمالیات، لكن إذا كان الكوریغرافي یأخذ مكان مخرج العرض فهنا تحدث مشكلة، لا يجب أن یطغى الكوریغرافي على المخرج .. ولكن على العموم ھذه تجارب جیدة وجمیلة موجودة في أوروبا منذ عشر سنوات، ورأیتها لدى المخرج الجزائري الربیع قشي في عرضه (حرب الدمى) الذي وبالرغم من أنه یحتاج للمزید من العمل علیها إلا أنه تجربة جیدة جدا في هذا المجال.
إنسحبتُ من لجنة تنظیم مهرجان المسرح المحترف لكي لا أخالف قناعاتي.

ماھي أسباب غیابك عن العديد من تظهاهرات ومهرجانات المسرح  فالجزائر ؟ وھل ستكون في الموعد مع المھرجان الثقافي الوطني بالجزائر العاصمة؟

في ظل الحال التي یتواجد علیها المسرح الجزائري الیوم، لا یمكنني أن أذهب إلى أي مهرجان أو تظاهرة مسرحیة تنظم، الرداءة تمنعني من الحضور والمشاركة. حقیقة لا أعرف ما هي فائدة هذه المهرجانات؟ ربما هي مجرد جولات سیاحیة للمدعوین – وأشیر هنا إلى أنها لا تخدم السیاحة الجزائریة أیضا ما دامت لا تدخل أموالا – أذكر لك مثالا : دعیت الفنانة المصریة سمیحة أیوب أربع مرات وتحضر معها حلاقتها، آخر مرة جاءت من مصر إلى روما ومن روما إلى الجزائر، ثم ماذا قدمت؟ یبقى السؤال مطروحا .. ما هي الأهداف الرمزیة والمادیة لمهرجاناتنا المسرحیة والثقافیة عموما، هذه أموال الشعب لا یحق لھم التصرف فیھا بھذا الشكل ..لا یحق لهم تبذیر مال الشعب .أنا لن أحضر مهرجان العاصمة ولا أي مهرجان آخر. لأنني لا أقبل الرداءة. ولأنني مستبعد أیضا.

منذ متى استبعد شنیقي؟ ولأي سبب بالضبط؟ 

منذ المهرجان الثقافي الوطني للمسرح المحترف الأول، أنا كنت فیه، في اللجنة المنظمة، وقد اقترحت ألا یكون هناك مهرجان ثاني إلا بعد ثلاث أو أربع سنوات، لكي نعطي أهمیة كبیرة للتكوین، غیر أن النظرة الضیقة فُرضت. وكان هناك مهرجان ثاني بعد سنة، كنت في المهرجان وكنت أكتب في
الصحافة مقالات نقدیة، ارتأیت أن أتنحى لأنني أخالف قناعتي ببقائي، لماذا استبعدت؟ لأنه في الجزائر عندما تنتقد أو تكون لدیك نظرة مخالفة ومغایرة، یٌنظر إلیك على أنك تهاجم. هذا عملي، أنا صحفي ومثقف ناقد، ونظرتي تأتي من تصور عام لفكري .. أنا أطلب من كل الجھات أن تتدخل لأن بلدنا الیوم یشھد إقصاء لكل من یملك رأیا مخالفا. یحزنني أن أرى وزیرة الثقافة تتكلم في التلفزة عن كونها المسؤولة على منع إصدار كتب دون مشاورة العدالة، أقول.. كم أنا حزین ..أین أمننا ..لسنا في أمن، لقد تحوّلت إلى وزارة رقابة، تذكّرني بـ (جدانوف) ولكن من دون ذكائه وثقافته. لقد كثر المال، وأصبح منفقوه یشترون الأشخاص بمن فیهم الصحفیین الذین أصبح لهم دور فیما یحدث، هل یعقل أن یعمل صحفي في نشریة المهرجان من جهة، ویكتب في الصحیفة التي ینتسب إلیها من جهة ثانیة؟ هل سیكتب بموضوعیة؟ هل هذه احترافیة؟ أین أخلاقیات المهنة؟ أنا أعتبر هذه رشوة غیر مباشرة.. الصحفیون یجب أن تكون لهم مواقف مشرفة.

سیناریو التبذیر والفساد الذي شهدته الجزائر عاصمة الثقافة العربیة یتكرر إذن مع تظاهرة تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامیة؟

أكید السیناریو یتكرر، أنا أتساءل، ھل السلطات على علم بأننا نبذر أموال الشعب، ألا نحتاج لدراسة مدققة لكل دینار یصرف، ونحتاج لأن یحاسب الجمیع. لا أتهم أحدا، ولكن الكل یجب أن یحاسبوا.. تظاهرة تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامیة مثلها مثل الجزائر عاصمة الثقافة العربیة، ومثل المهرجانات التي أقیمت وتقام، ما معنى أن تنظم ملتقیات وتتم فیها دعوة كل من هب ودبّ، من دون النظر إلى السیر الذاتیة للمدعوین، وماذا یمكن أن یقدموا؟ أیعقل أن یقوم المنظمون بدعوة هؤلاء جمیعا إذا كانوا یصرفون مالهم الخاص في تظاهرات مماثلة؟ أشك في ذلك، بل أنا على یقین أنهم لن یفعلوا. ثم أجدني مرغما على الضحك حینما أسمع بإنتاج 48 مسرحیة، ماذا یعني أن ننتج 48 مسرحیة، وأن نطبع 1000 كتاب، ھل الفائدة في الكم أم في مدى ما تعكسھ ھذه الإصدارات والإنتاجات من الثقافة الجزائریة.
ما یحدث في هذه التظاهرات یدعو للضحك، أتذكر شیئا أضحكني كثیرا هو إدراج فیلم (موریتوري) المنتج سنة 2005 في تظاهرة الجزائر عاصمة الثقافة العربیة سنة2007 ، أو إعادة طبع كتب قدیمة .. هذ كوارث، وهناك كارثة أخرى لا بد أن نتدارك أمرها هي مهرجان الفیلم العربي، هذه الممارسات وهذا التبذیر للمال السائب یخلقان ردّة فعل عنیفة من الأوساط الشعبیة.. هذه الممارسات موجودة في كل القطاعات ..الجامعة الجزائریة كارثة أیضا. يجب أن نبدأ إصلاحنا من الجامعة، الطلبة الذین خرجوا محتجین معهم كل الحق، لأن ما یجري هو ضدهم وضد البلد، هذه الحركة إیجابیة جدا، لا بد من تغییر سلمي.
لا وجود لنخبة كمجموعة أو كـ ( أنتلجانسيا ) في الجزائر وبلدان الوطن العربي.

هل تؤمن بوجود نخبة مثقفة في الجزائر؟ وهل ترى أن المثقف عندنا مواكب للأسئلة الثقافية الكبرى، واعٍ بضرورة مساهمته لبناء مشروع ثقافي متكامل؟

موجود في الجزائر – كما في بلدان الوطن العربي مثقفين ينتجون خطابا مستقلا، ولا وجود لنخبة كمجموعة، أو كـ ( أنتلجانسيا ) وهذا ما يتجسد من خلال التذبذب في الآراء ووجهات النظر المتغيرة لدى المثقف الواحد كل مرة. يأتي سؤال كهذا من فرنسا يبحث عن أسباب صمت المثقفين، المثقفون عندنا يدافعون عن الليبرالية الجديدة ، بمن فيهم الاتحاد العام للعمال الجزائريين، المثقف عندنا لا يمتلك نظرة نقدية مؤسسة، نظرة نقدية للسلطات وللوضع العام.. فهو إما معارض وإما مساند وفي كلتا الحالتين يكون خاضعا لخطاب السلطة وسجينا فيه.. المعارضة شكلية؛ فالسلطة تشتري أصوات الكثير من المثقفين الذين يظهرون معارضتهم وهم في الحقيقة ممثلون لخطابها ، لأنهم موجودون داخل المؤسسات الحكومية بصفة مباشرة أو غير مباشرة، أضف إلى ذلك، أنهم لا يقدمون عناصر النقاش ولا يمتلكون خطابا نقديا واضحا وثابتا. وأذكر من بين هؤلاء: رشيد بوجدرة، واسيني الأعرج وأحلام مستغانمي. في المقابل يمكن أن أشير إلى مثقفين يمتلكون خطابا مستقلا مثل: جمال لعبيدي، تلمساني، محمد حربي وصطفى لشرف.
هذا من جهة، وفيما يخص الشق الثاني لسؤالك، فأقول إن هناك أعمال مهمة وفرديات تبني خطابا آخر في الجزائر وفي إفريقيا والوطن العربي كــ: الطيب تيزيني، هشام جعيط، الجابري، مصطفى لشرف، علي الكنز… هؤلاء يساهمون في التغيير ويسعون إليه فعلا في ظل الأزمة التي يشهدها العالم كله، يشهدها المثقف والإعلام. وهذا بسبب العولمة التي شوهت المجتمعات كلها، ليس العربية فقط وإنما كل المجتمعات.
اليوم نحن نشهد تراجعا خطيرا في الديمقراطية في كل مكان، حتى في فرنسا التي امتنع 55 بالمائة من الفرنسيين فيها عن الذهاب لصناديق الاقتراع ، الديمقراطية تنحرف إلى الفاشية. إن الأزمة ليست جزائرية فقط ..بل هي أزمة كل العالم ..في الوقت الذي تسجل فيه ديون أمريكا الداخلية ب 4 آلاف مليار دولار وتحاول إخراج سوقها للخارج فهذا يعني وجود أزمة في العالم كله.

كيف ترى الموقف الجزائري إزاء قضية ليبيا؟ وما تعليقك على التناول الإعلامي لهذه القضية؟

فيما يخص موقف الجزائر، أنا أقول بأنه إيجابي جدا وهو نفسه موقف الاتحاد الإفريقي والبريكس (البرازيل، الهند، روسيا، الصين وجنوب إفريقيا ) هذا الموقف مشرف لأنه يلتزم الحياد و يدعو إلى وقف القتال بين الطرفين.. أنا أستغرب أن تأتي خديجة بن قنة وتنتقد هذا الموقف، صحيح أنا أعتبر الجزائر ديكتاتورية منذ الاستعمار ولكن ليس كل ما يأتي من السلطة سيء، أنا لا أدافع عن الحكومة المسؤولة عن أزمة السلطة منذ الاستقلال أنا أتحدث عن موقف إيجابي وحسب.. الجزائر ديكتاتورية.وإلا لماذا لم يتكلم هؤلاء الذين خرجوا اليوم ينتقدون وقد كانوا في السلطة عن استعمار بلد كالبحرين من طرف السعودية ؟ ولماذا لم يتكلموا عن اضطهاد مثقفين في قطر؟
أما ما يجري في الصحافة في العالم كله فأعلق عليه بالقول؛ إن خطابا واحدا هو السائد، هو خطاب توزعه دول الخليج، ما يحدث هو إعادة خطاب وكالات الأنباء التي تطبخ أكثر من 80 مليون كلمة في اليوم، هذا الإعلام أحادي النظرة، هناك صورة واحدة تتبناها مؤسسات إعلامية رسمية ونصف رسمية لا وجود لأخلاقيات المهنة الصحفية. إن ما يحدث في ليبيا مخطط له، وفي سوريا أيضا، والهدف الحقيقي ليس ليبيا وتونس ومصر وسوريا، الهدف الحقيقي هو روسيا والصين، ولكن هذه الدول مستهدفة الآن لأنها في طريق الهدف تماما كما في لعبة الدومينو.. ما يحدث خطط له.. بدأ بويكيليكس ونحن نتابع ما يجري و إلى أين سيصل هذا المدّ المخطط له.
لا توجد ثورة تنتجها طائرات حربية أو تتدخل فيها أطراف خارجية

يشهد الشارع العربي منذ بداية 2011 حراكا وانتفاضات توسعت وانتشرت بشكل سريع برز معها إلى السطح مفهوم (الثورة) هل ترى أن مفهوم الثورة مناسب لإطلاقه على هذا التحرك الذي يشهده الشارع العربي؟

لست أدري عن أي ثورة يتكلمون.. تكلموا في بادئ الأمر عن ثورة الياسمين في تونس.. كلنا نعلم من وراء هذه – الثورات – حتى في تونس، هل بعد تهميش اتحاد العمال التونسيين للمرة الثانية في وقت الحبيب عاشور، وإدخاله إلى السلطة بإمكانه أن يقود تغييرا؟ هذا رأيي الذي يوافقني فيه أصدقاء كثيرون من تونس. إذن هذه التي يسمونها – ثورات – لم تنبع حقيقة من الداخل، الثورة لا تأتي بطائرات حربية ن وبمدرعات. ما يحدث في ليبيا اليوم أن المصالح هي التي حركت كل شيء، لا وجود لما يسمى ثورة ، ماحرك الوضع ليس محبة، وإنما مصالح والمصلحة التي تغلب جميع المصالح هي مصلحة بيترولية ومصلحة اليورانيوم، نحن نعلم أن ليبيا تملك أكثر من 60 مليار احتياطي بترول وغاز، وتحتها النيجر تملك اليورانيوم، الأمور واضحة وإن كانت صدفة فانا أستغرب لهذه الصدف. ولأعود إلى مفهوم الثورة، أنا أدعو إلى مراجعة جهازنا المفهمي ونسأله، هل نملك الأدوات لمساءلة هذه العبارات التي تطلقها صحفنا وأطروحاتنا الجامعية؟ أن نسمي هذه التحركات ثورة فهذا يعني أننا قزمنا ثورة كالثورة الجزائرية.. لا توجد ثورة تنتجها طائرات حربية أو تتدخل فيها أطراف خارجية، هذه العبارات التي تستعملها أطروحاتنا الجامعية وصحفنا ومؤسساتنا الإعلامية هي إعادة إنتاج الخطاب – الغربي- حول العربي.. انظري كيف يقابل خبر ضرب عربي لرجل غربي، سينتفض الجميع ويقولون إن العربي همجي وعنيف. وسائل إعلامنا ستتبنى هذا الطرح، أما إن كان الغربي هو من ضرب عربيا فالأمر سيختلف، الأمر سيفسر على أنه مجرد هفوة تحدث كثيرا. أنا أتفق مع ادوارد سعيد حين يتكلم عن إعادة النظر للمفاهيم هذا مهم للغاية لأننا لسنا أحرار وهذا الأمر يحررنا من عقدة الاستعمار التي عندنا.

نشر جزء من الحوار في إحدى الصحف الجزائرية بتاريخ: 04 ماي 2011

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق